زيتوننا على ما يرام

  • خالد فحل

مع منتصف تشرين الأول من كل عام، لنا موعد مع شجرة مباركة، في مواسم قطاف شجرة الزيتون.

السماء تتلبد بالغيوم، والريح مغبرة و مشبعة برائحة المطر، والمشهد القروي حافل في الصباح، صغار وكبار يتجمهرون حول الشجرة الأم، وصوت فيروز الصباحي ينطلق من المذياع هنا وهناك، وأحاديث وكلمات تشجيعية، يطلقها الآباء لأولادهم كي يواصلوا التقاط حبات الزيتون عن الأرض.

أما نحن فقد كان الصمت يجتاحنا، وهو سيد الموقف بكل تأكيد، والكل منا تجاهل كم أصبح عددنا في غياب أبي.

لقد أصبحنا ناقصي العدد، وأبي الذي كان سيد الحضور، هو الغائب منا وعنا، حتى أشجار الزيتون كانت واجمة.

صعب أن ارتب ذاكرتي دونك، وان أنسى ابتسامتك الأبوية وغضبك، صوتك جرس في المساء يا أبي، ونشيج الذاكرة يعلو...ويعلو..

أما زلت هنا.. أما زلت تقف الباب؟

في انتظارك طفلتان صغيرتان كانتا تداعبانك في المساء، يا بيلسان الوقت.

 

أما زلت تترنح في كل زاوية.. صعب أن أكون أنت..ولك خصوصية مقدسة في الذاكرة.

يا أيها الرماد الحنين في الرفاة، صباح الخير

أصحابك القدامى ما عادوا يهرولون كعادتهم إلينا، فهم مثلك ومثلنا يرتبون أوقاتهم على غير هدى.

مازلت نبض الفراشة في البيت يا أبي، من دل أسباب الذبول على حدائقنا من دلّهاَ..

أقرأ في عينيك وطني.. وتعويذة المساء.. ونهر حنين، يا زهرة اللوز الأخيرة، وطعم رحيل الطرقات في دمي.

هو جرس في العينين ذكرى رحيلك، رنين في بقاياه، وريح مطر في اليدين،

تتسع الروح لجسدي مرتين، على شبق الشفتين، بتلك اللغة المس وجهي، لست تمثالا، لعلي مرثية تجهض الدمع في العينين، فلا أبصر الطريق إليك.

لعلي قافلة تقل وطني المسلوب من زمن الشهداء.

يا أيها القابع في بطن الأرض، سلِّم على ظلك فينا تتسع الذاكرة، سلم على باقة الشهداء وردة .. وردة،  إن لمحت من يحرس الحلم وبوابة الحديقة.

سلم على من أحبوك و سبقوك إذا اتسع الوقت.

 

أبي، زيتوننا على ما يرام، والأرض التي تحبها.. تحبك أكثر

وإن السماء التي تلبدت بالغيوم صباحاً.. أمطرت.. أمطرت.

أرشيف فلسطين الشباب