واحدٌ ثابتٌ تبنيهِ العواصفُ

  • عبد المعطي مقبول

وأغمضَ عينيهِ بعد أن قال له الجنّي: أمرك مطاع. 
يبدو أنّ دقّاتِ قلبهِ بازدياد، وخصلاتُ شعرهِ تطول إذ تنبزُ من مركزها،

شَعَرَها تلامُس عنقهُ، فتحَ عينيهِ في مكانٍ غير المكان، قفزَ جهةَ المرآة، ابتسم ملئ فؤادهِ لا لسحرِ عيونهِ الجديدتين، ولا لانسيابيّةِ حاجبه فوقهما، ولا حتّى لشفتيهِ المليئتين عنبراً، إنّما علمَ أنّه في طريقهِ التي يجبُ أن يُنهيها في ثلاثةِ أيّام، قبل أن ينتهي مفعولُ السّحرِ، لم ينم تلكَ الليلةَ، -أو لعلّها الآن لم تنم-. 
نظرَ لأريكتهِ المكسوّةِ ثيابهُ الجديدة، تناول الجلباب أوّلاً، وضاع في متاهة ربط شال الرّأس ولفّه وتقويرهِ فوق الشّعر الّذي ثبّته بالكاد بالدّبابيس، نظرَ لوجههِ المُصانِ قبلَ أن يبتسمَ لغرابةِ الفكرة، وانطلقَ في الأثرِ خارج الدّار... وصلَ المكانَ واحتمى بزجاج واقفٍ يسترق منه الحسَّ، كانت هناكَ مشغولةً خلفَ منصّة الخطاب، توزّع الصّوتَ ابتساماتٍ فتسقي قلوبَ الحيارى، تصبّه في حناياهم صبّاً، اقتربَ أكثرَ إذ امتلأ وعاؤه، وجلس حتى تنتهي المعزوفة، ربّما جلس حولها، بيد أنّ شيئاً من روحه لم يجلسِ، انتهت وصفّق الحضور وصفّرت العصافير، انفضّ الجمعُ نحوها فصدّتهم بابتسامتها غريبة الكنه العصيّة على التّفسير، لكنّه اقترب ما بعد الحدّ حتّى التقت العينان، وخاطبته ابتسامتها، لكن هذه المرّة من أنثى لمثلها. 
-  مرحباً، هل أعرفكِ من قبل!؟.. (هكذا قالت الابتسامة التي لا تُنهك)
تلعثم قلبُ الرّجلِ، وارتبكت قسماتُ الأنثى، ثمّ حاول أن يخرج بكلمة رغماً عن أنف حنجرته المعطّلة عن البوحِ:
- اممم، آآه ه ه، نعم نعرفُ بعضنا جيّداً، لذلك أنا هنا، هلّا التقينا بوقت فراغك؟
انتاب الفضول صدر الصّادّةِ، وإلى ذاك المكان لطالما حبّت التّرحالَ. 
- تعالي معي. (أشارت بيدها للمتحوّلِ) وانطلق الاثنتانِ بعد أن تخلّصت من الجمهورِ العامّ والصّديقِ. 
ركبتا بسيّارة الأجرة، وأقفلَ الكونُ بابهُ من غيرِ أن يكونَ الشّيطانُ ثالثهما، نظرَ الوجه المدوّر المكتظّ بالجمالِ المبهم غيرِ المقروء المحسوسِ الذّائبِ، وسكتَ الرّجلُ شاكراً الجنّيَ في عقلهِ إذ أذابَ له الحلمُ المجمّد، توقّفتِ السّيارةُ من غيرِ أن تقولا كلمةً، لم يُعرف من دفع الأجرة، لكنّه قد عُلمَ أنّ مقعداً تُظلّه شجرة فتح ذراعيهِ واحتضنَ حُلماً من طرفٍ واحدٍ، جلست الاثنتان وقالت واحدةً منهما: 
- ها قولي، من تكونين!؟.. 
لم يتردد الرّجلُ هذه المرّة وأطلق ابتسامةً خفيفةً: 
- أنا ذرّةٌ في كونٍ يسيرُ حولكِ، هبطَت اضطراريّاً في جاذبيّة لا تُقاومُ، أو لعلّ كنهاً انجذب من ضياع.. 
كانت تنظُرُ المبتسمةُ من غير أن تفهم شيئاً حتّى أن المُشرعةَ انقطعت للمرّة الأولى فأظلم حوشُ الرّجلِ
- لا لا، لا تفعليها، جئتُ من بعد الفاصل حتّى أجلس هنا في ريحكِ، حتّى أخبركِ كلمات يستحيلُ على الفم أن ينطقها لو كان الشّعر قصيراً والأثداء مختفيةً، حتّى أسمع منكِ بإسهابٍ يكونُ بالعادةِ مُختصراً وعلى قدرِ السّؤالِ، فهلّا أشبعتِ سائلةً جابت البلاد في إثرِكِ!؟ 
- من تكونينَ وما هذه التّعاويذُ! 
- اووه، لم آتِ لأتكلّمَ، فلطالما رسمتُكِ ألواناً ونظمتُكِ خيالاً، أُشرعُ نفسيَ لحضرةِ كلامك ولصدى أنفاسكِ فهلّا رويتِ العاشقَ المجنونا! 
- هاهاها، كلامك غريبٌ يا صاحبتي، أنتِ مألوفةٌ حدّ التّذكّرِ، إلّا أنّ الحكم في ضياعٍ عن البتِّ. (أشاحت بنظرها عنها، أخذت نفساً، وراحت تتكلّم وعيونها في أفق آخر) .. 
ربّما كان يسمع الرّجل صوتَ الكلماتِ غير أنّه لم يفهم منها شيئاً، فقد كانت تتحوّل كلّها في عقلهِ أنغاماً تسيحُ نحوَ الأسفل لتصبّ في  قلبه فترويه من بعد عطش، كان ذاكَ المرويُّ يضخّها للجسد حتّى امتلأت الأوردةُ وسرت في كلّ الأنحاءِ .. تكلّمت الآخذةُ ثلاثة أيّامٍ متواصلةً، وفي الدّقيقة الأخيرة قبل زوال السّحر سكتت، وحرّكت رأسها نحو التّائهةِ:
- ألن تقولي شيئاً!؟.. 
- شكراً لكِ، شكراً على الاقترابِ، شكراً على التطويلِ، شكرا للجنّي الذي سينهي عمله في أيّ ثانية الآن، ما استطعتُ الاقتراب مدّ ماضيَّ الذي لا يساوي حدّ حاجتي منكِ، ما استطعتُ البوحَ حدّ بحرٍ صالحٍ للشربِ لا يكفيني إذ أعطشُ من طول الكلام إليكِ، ما استطعتُ الشّمَ حدّ روحي العطشى لجمالِ عقلكِ، ما استطعتُ حملكِ في طائرة الذّهابِ للمستقبلِ التي لا تقبلُ حملكِ، لا أعلمُ بحقٍّ إن أحببتُكِ، وهل يُعشقُ إمامٌ للجموعِ! هم يرونهُ فيطلبون الوصول، وهو لا يرى غير رؤوسهم المطبّلة المهلّلة، .. أستميحُكِ عذراً إن أحببتُكِ في خيالٍ آتٍ، ليس حبّاً شكليّاً سريعَ الانقضاءِ، إنّما واحدٌ ثابتٌ تبنيهِ العواصفُ وتُثبّته الأعاصيرُ .
بان أثرُ الكلامِ في وجه المستمعةِ، مدّت يدها لتعانقَ يدَ المحتاجةِ، غيرَ أنّها وعلى استغرابٍ هربت.
- لا أعذريني فما لهذا أتيتُ، ما أردتُ فيكِ الجسدَ، بل أردتُ فيكِ ال ...... 
وانقطع البثّ، 
وعادت البنتُ رجلاً، 
في مكانٍ غيرَ المكانِ، 
نفسٌ انسحبَ إلى داخل الصّدرِ لم يخرج إلّا بطيئاً، 
قبلَ أن تنقلبَ صفحةٌ بالحياةِ.

 

أرشيف فلسطين الشباب