الحقيبة المنسية

  • طه طبيله

وحين اقترب من محطة الحافلات قرر التوقف على الفور، منهياً بذلك ما يقارب ساعة ونصف قضاهم في رياضة الجري على ناصية شوارع مدينة حيفا المحتلة.

هل التعب جعله يتوقف؟ أم أن زمرة المستوطنين التي احتشدت في ساحة المحطة منتظرةً قدوم الحافلة هي من أغرته لاتخاذ هذا القرار؟

 

أخذ يتمعن في وجوههم بأعين بازغة، وكأنه كان يبحث عنهم في شوارع المدينة طيلة الساعة والنصف تلك! حريصاً كل الحرص على أن لا يثير انتباه أحد منهم، حتى أتى على جميعهم فحصاً وتمحيصاً؛ نزع عن كتفيه حقيبته الرياضية، والتي باتت للعيان بأن وزنها لم يكن مطلقاً هيناً عليه، وكأنه يحمل بداخلها ما هو أكثر من حجم رياضة كالجري. أخرج منديلاً من جيبه، جفف عرقاً غزيراً متصبباً على وجهه وهو يتمتم دون أن يلاحظه أحد، (في كفي قصفة زيتون، وعلى كتفي نعشي، وأنا أمشي وأنا أمش..)، وبقي يتمتم بالزيتون والنعش، حتى وصلت الحافلة.

لم يسرع في الصعود، إلا بعدما تأكد  بأن تلك الزمرة ستتخذ ركوب الحافلة لمقصدها، وحين تأكد صعد معهم، صعد سريعاً.. لم يكن ذا محض شك أو ريب، بدا وكأنه منهم، بدا وكأنه شابٌ رياضي في مقتبل العمر يسعى إلى بناء جسم سليم. لم يختر الجلوس، مع أن بعض المقاعد كانت خالية. كان يمشي متراخياً وهو يراقب تحركات الركاب وتصرفاتهم، حركات أيديهم، يعد قوابض اليد المتدحرجة من السقف والتي يحتمي بها الراكب ليتوازن أثناء المسير، وحين وصل إلى القابض الخامس عشر، رص عليه بقوة، وكأنه قد ظفر ببلح اليمن وعنب الشام، كان بذلك قد توسط الحافلة تماماً.

وقبل أن ينوي السائق إغلاق الباب والتحرك، صعدت ثلاث رشاشات سريعاً، وراءها وقف جنديان وضابط، كانوا هؤلاء العساكر آخر ركاب هذه الرحلة، المتجهة إلى الجحيم..

اعترته رعدة مفاجئة، حاول أن يتماسك، أحس بشرر يتطاير من عينيه يوشك أن يحرق كل من على الحافلة، ثم بدأت تدور في رأسه شريط ذكريات الأمس القريب؛ هجرة الوطن، العائلة، مخيم الشتات، الغارة الجوية التي استهدفت بيت عمه، مدفع الدبابة الهزيل الذي أطلق عياره تجاه فتية الحي، صديقه الذي بقي ينزف حتى فارق الحياة دون رحمة من المحتل، ولعنة المستوطنين التي تنحصر أقصى أمانيهم بأن يقتل كل ما هو عربي، فلسطيني.

عندما وصلت الحافلة إلى إحدى التقاطعات الفاصلة بين قريتين فلسطينيتين ومستوطنة، رفع بيده فوراً طالباً من السائق التوقف هنا، منهياً بذلك رحلته. ترجل عن الحافلة، وأكمل رياضة الجري.. بدأ يجري سريعاً، هكذا كان أسهل بكثير عليه، بلا أن يكون على كتفه أي حمل، أي عبء، أي حقيبة.. جرى وكأنه يهرب من جحيم، يهرب من بركانٍ متفجرٍ خلفه، حينها كان وقد أخرج أحدهم رأسه من النافذة، بدأ يصرخ بالعبرية وينادي، (ووه أنت نسيت حقيب..) لم يلبث أن أكمل ما يريد قوله، حتى انفجر الباص بمن فيه.

 

 

أرشيف فلسطين الشباب