مشهد لم يكتمل

  • محمد رفعت الوحوش

في يومٍ خريفي وقفا قريبا من محطة القطار بين الأشجار المشتعلة بدرجات الحزن الأصفر، متسمريّن أمام بعضيهما يتملى كلٌ منهما وجه الآخر قبل الوداع،

تتساقط و تتطاير أوراق الخريف الصفراء ذات الوجوه العجائزية لأوراقٍ متعبة في كل مكان، البرد بدا قارصاً والرياح تهب على المودعين والمسافرين وصوت حفيف الأشجار بدا كلحنٍ حزين.

 

نظرت اليه و عيناها تسكب الدموع بصمت، رفع يداه كي يمسح تلك الدموع المنهمرة كسيلٍ على خديها المتوردتين، باغتته عيناه بدموعٍ انهمرت على وجنتيه، صدره الذي بدأ بالاهتزاز بشكلٍ متهدجٍ متقطع لم يحافظ على وفائه له في الحفاظ على صورته المتماسكة... بدأ بالبكاء، سحب يداه كي يسعف نفسه في إرجاع الهدوء الى قلبه الكسير، يرغم نفسه على التوقف عن البكاء، بحركةٍ سريعةٍ مسح الدموع عن وجهه و عينيه بظهر يديه ثم اتبعها بمسحةٍ ثانيةٍ سريعةٍ بباطن يديه، أما هي فلم تكن بحالٍ أفضل منه داخلياً رغم تماسكها الذي لم يخنها كما خانه، تنظر اليه و تراقب عيناه  في حُمرة الحزن و الخيبة و الانكسار، ثم تبادره بعناقٍ طويل.

يشقُ هدوء الخريف وهدوء المحطة صافرةُ القطار ممزقاً ما تبقى لدى العاشقَيّن من تماسك، فيجهشا بالبكاء سوياً، تذوب مع مرارة اللقاء لغات العتاب.

* لقد حان وقت الرحيل

* إنتظر

تُخرج من حقيبتها رسالة و تناولها له بيدها الرقيقة المرتجفة

* اقرأ رسالتي تلك عندما ينطلق القطار بك بعيداً ...

تنسكب دمعاتها على قميصها الابيض... يتناول منها الرسالة ثم يمسح بيده دموع عينيها عن خديها، يمسك وجهها الجميل بين راحتي يديه، ثم يبادرها بالقول

* ارجوكِ كوني سعيدةً دائماً، الوداع يا عزيزتي

* اهتم بنفسك جيداً ... الوداع

تراقبه و هو يبتعد شيئاً فشيئاً ثم يضع قدمه الأولى على عتبة القطار ممسكاً بالباب، يرمقها مطولاً ... يرفع يده مودعاً ثم يدخل القطار. أما هي فتبقى واقفةً تلوّح له مودعة، ثم تنزل يدها ببطئ و تراقب القطار و هو يبدأ بالمسير نافثاً ذلك الدخان الكثيف من فوهة المقدمة كغيومٍ تتدافع لتذوب في حرية السماء الرحبة، ثم يبتعد القطار شيئاً فشيئاً الى أن يصبح في المدى البعيد، أما هي تبقى مُتسمرة مكانها بين أوراق الخريف المتطاير كأنها تربت على كتفها تواسيها وتخفف عنها حزنها العميق.

يُخرج الرسالة من جيب معطفه، ينظر في المغلف مطولاً يتحسس خط يدها المنمق الجميل على ظهر المغلف، يُمرر أصابعه على السطر المكتوب "من لمياء الى العزيز عبد القادر" يتمعن في خطها الجميل، يرفع الرسالة إلى أنفه و يستنشق رائحتها بملئ صدره ثم ينزل الرسالة الى حِجره و يغمض عينيه كابتاً مشاعر الأسى التي تجتاحه.

يفتح المغلف يُخرج الورقة ثم يبدأ بالقرائة:

"عزيزي عبد القادر،

دائماً ما نجبر انفسنا ان نكون أقوى في كل العواصف التي تعصف بنا في الحياة، لكن في الحقيقة في كثيرٍ من الأحيان سنكتشف اننا كنا أقوى أكثير مما يجب، سنتمنى لو أننا كنا أضعفُ قليلاً في وجه رياح الأيام، لربما لو أننا كنا بخِفَّةِ أوراق الخريف، نطير اينما تتجه رياح حياتنا، لو اننا اقلُ صلابة كي تكتشف اعماق ذواتنا العوالم التي ستقطعها حياتنا مع هذه الريح العاصفة.

لكن حقيقة الحياة بصلابةٍ أم بضعف، كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة، فكلا الوجهين يعنيان خساراتٍ ما و اكتساباتٍ أُخرى تعتلي كآبة الخُسران، كما عودتنا الحياةُ دائماً، الخسارة مُلازمٌ و ثيقٌ للمكاسب، كحُبٍ مليءٍ بالألم، أو فراقٍ مليئٍ بالفرص، كلاهما خسائر ومكاسب ممتزجين سوياً أحلاهما مُرّ.

صعوبة الحياة تكمن في الاختيار، عليك أن تختار في النهاية لتمضي في إحداهما، لذا كثيراً عند الوقوف على ناصية الإختيار نتمنى ان نكون ورقة خريف في مهب الريح، كي نرتاح من ثقل الإختيار و لتأخذنا الرياح كما تشتهي حيثما تشاء، و نرتاح قليلاً من ذلك الثقل.

الحياة مُجرد قائمة قاتمة لا تنتهي من الاختيارات الغامضة، كي تمضي في الحياة عليك بالمضي بالاختيارات، وأن تعتاد الخسارة، كي تكسب في النهاية.

من وجهة نظر الحياة لا معنى للتمسك في أي شيئٍ على الإطلاق، كلما تمسكنا أكثر كلما سخرت الحياةُ منا أكثر تعاقبنا بسخريتها أكثر"

اغرورقت عيناه بالدموع من جديد، ثم ضم الرسالة إلى قلبه و نظر الى المدى البعيد من نافذة القطار و ارتسمت على محياه الحزين ابتسامة.

أرشيف فلسطين الشباب