بين فدوى طوقان وشقيقها إبراهيم
المتوكل طه

لا نكاد نرى علاقة فريدة ومميزة مثل العلاقة التي كانت بين إبراهيم وفدوى، شاعراً وشاعرة، شقيقاً وشقيقة، هذه العلاقة التي تراوحت ما بين أخويّة مُحبّة وشفوقة،

وبين زمالة نديّة فيها احترام واعتراف، وهي علاقة مميزة في شرطها الزماني والمكاني، ومميزة في شرطها الإنساني كذلك .

 

شاعر كبير منشغل بقضايا كبيرة ويعيش في مدينة كبيرة " بيروت " تختلف كلياً عن مدينته " نابلس "، يكتب لشقيقته المحبوسة المقموعة المريضة "الصفراء"، يصحح أخطاءها مرّة، ويدلّها على مواقع البديع مرّة، يشجعها على الكتابة حيناً ويمدح ما تكتب حيناً آخر، باختصار إنه يكتشف الشاعرة في أخته، ولا يكتفي بذلك، ولكنه يشجعها على الكتابة والنشر، رغم ما يعرف من قساوة الظروف وشدة القمع . وإذا كان هذا دليل على عظمة إبراهيم الشعرية والروحية، فإنه دليلٌ، أيضاً، على تصدّع الطبقة واختلاف مرجعياتها، ففي اللحظة التي يطلب إبراهيم من فدوى أن تشتري اسطوانة "موريس شفالييه" من الأسواق، يطلب إليها بذات الوقت أن تقرأ القرآن الكريم . ومن الواضح أن إبراهيم يعكس ثقافة الطبقة التي ينتمي إليها، يطرب للجديد ويستسيغه ، ولكنه لا يريد أن يتخلّى عن "القديم" أيضاً، تماماً كالطبقة التي ينتمي إليها، تلك الطبقة التي كانت تواجه عوامل تفكّك وتحوّل، تُوّجت بانفجار ثورة 1936 التي قادها الفلاحون الفلسطينيون، ولم تستطع البرجوازية الفلسطينية في ذلك الوقت إلا أن تنخرط في الثورة متخلّية عن الطروحات السياسية التي تمسّكت بها منذ بداية العشرينيات .

إن العلاقة الفريدة والمميزة التي جمعت بين شقيقين شاعرين من بيت واحد، بهذا الشكل، منح الشعب الفلسطيني تجربتين روحيتين طرحتا ثمراً طيباً، وكما يقول المثل الفلسطيني إن "البطن بستان" فإن هذا المثل ينطبق على تلك التجربتين انطباقاً كاملاً، فابراهيم اكتشف المفارقة في الواقع ، ووقفت فدوى عند حدود الذات الوالهة المتألمة، الصابرة المتأملة .. وعلى عكس شقيقها، فإنها لم تُصَبْ منه بعدوى السخرية أو الفكاهة، وكأن العالم تخلّى عمّا فيه من فكاهة . ولا عجب، فإبراهيم خرج إلى الشارع، رأى وانغمس عميقاً في الهمّ العام، فيما بقيت فدوى حبيسة نفسها وجدرانها وأطواقها وقيودها، ولم تحاور غير نفسها، ولم تلمس غير قيودها، ولم تعش غير آلامها .

وإذا تميز ابراهيم بحدّة الشعور وحدّة التعبير، فإن فدوى، أيضاً، تعترف انها ذات "أحاسيس مشتعلة" ، ساعدتها ليس في كتابة الشِعر فقط وإنما جنّدتها لكسر حواجز كثيرة.

ويمكن اعتبار كلاً من حياة الشقيقين وشعرهما تعبيراً أو انعكاساً للتاريخ السياسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني؛ ففي اللحظة التي نجد فيها إبراهيم انعكاساً لهوية قومية وليدة تتجسّد على الأرض بفعل الواقع السياسي السائد، كانت فدوى تعبيراً عن تلك القوى التي تتصارع داخل المجتمع الفلسطيني للتعبير عن نفسها بشكل مختلف .  بمعنى آخر، كان إبراهيم تعبيراً عن الخارج الشكلي ، أما فدوى فكانت تعبيراً عن الداخل الفعلي، وبما أن العلاقة لم تكن قوية ولا منسجمة بين الطموح السياسي ، بتأكيد هوية ملموسة وبين القوى الاجتماعية القادرة على تجسيد ذلك الطموح، كان الانهيار الكبير ( النكبة ) عام 1948، وفي هذا العام استطاعت عدة عصابات صهيونية مسلّحة أن تهزم "جيوش كثيرة" أرسلتها أنظمة فاسدة .  بالإضافة إلى هزيمة شعبنا الذي لم تقم جهة ما بإعداده اعداداً كاملاً  أو ملائماً لمواجهة الخطر الذي كان تحت الأنف مباشرة  ، ولا يحتاج إلى كبير ذكاء لمعرفته أو تحديد مصدره .

مات إبراهيم تعبيراً عن موت القدرة على تحقيق الطموح السياسي بدولة فلسطينية، فيما تواصلت فدوى تعبيراً عن قوى اجتماعية مُجهضَة تناضل من أجل التعبير عن نفسها، وأخذ مواقعها الحقيقية في سياق بناء مجتمع أفضل. ومن هذا المنطلق تبدو العلاقة بين الشقيقين رمزية الى أبعد حدّ، وحقيقية الى أبعد حدٍّ ايضاً.  ومع الانهيار الكبير عام 1948، انهارت ايضاً القوى السائدة وقوانينها وأطواقها، وبدأت قوى أخرى بالظهور والتعبير عن نفسها بكل جلاء، وفدوى كانت جزءاً من هذا السياق.. وجدت نفسها تحمل قضيتها الذاتية التي اندمغت فيها ،  بذات الدرجة ، قضية عامة ، هي الخسران  والشكوى والألم .. وكأنها والتاريخ كانا على موعد.

حمل صوتُها الشعري معاناتها، ولم تكن تدري أنها تحمل بذلك صوت المحرومين والمقموعين مثلها .  وانجبل صوتها بالخسران والفقد والشكوى، وما علمت أنها بذلك تعبّر عن شرائح واسعة ذبحهم الواقع وقيّدتهم الظروف.

وبخروجها من "القمقم الحريمي" كما دعته، فكأنما كان ذلك شرطاً تاريخياً لخروج الجميع من قمقم الكذب والدجل والتغييب والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهكذا، التقى صوت فدوى الشعري مع ظرفه التاريخي، فالتحما، وإذا بالصبية العليلة التي قُمِعت وحوصِرت، شاعرةً مشهورة يشار إليها بالبنان.

ورغم ذلك، ظلّت شاعرة متوجّسة، تنتظر الكارثة وتبكي لمنظر جميل. ونفسٌ شفافة مثل هذه لا تحتمل الحياة، فعاشت دون وظيفة أو عمل رسمي، ودون زوج يرهقها وترهقه، ودون مَنْ يصدع رأسها بميراث أو بمال.. بقيت تعبث بين أشعارها وأزهارها، وكلاهما ينبتان بالخيال ، وبالقليل من الماء والهواء.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.