الثقافة في مواجهة رواية الاستعمار
د. إيهاب بسيسو

إن ثراء الثقافة يأتي من عمق التفاعل مع الحياة والانحياز لمفردات المستقبل في الكتابة والغناء والمسرح والسينما والفنون التشكيلية لهذا تصبح الثقافة

عنوان الشعوب في سعيها لتكوين مجالها الحيوي وفضائها الإبداعي القادر من جهة على صون التاريخ والذاكرة ومن جهة أخرى تحفيز الإبداع ليتخذ مسارات متجددة تعتمد على أصالة الرؤية النابعة من ضرورة الاستمرار في الفعل الثقافي.
بهذا يمكن تعريف الثقافة بأنها لغة الإبداع وهوية المجتمعات وفي فلسطين يصبح للثقافة رؤية إضافية وتعريف أشمل فهي فعل المقاومة الذي يستمد قوته من ضرورة صون الذاكرة والتاريخ بالانتصار إلى الرواية الوطنية في مواجهة رواية الاستعمار.
الثقافة أيضا ضرورة الحاضر في مواجهة سياسات الإقصاء والتطرف والاضطهاد والتمييز بالانتصار للإبداع الذي ينطلق من الحاجة الدائمة لإبراز الصوت الإبداعي الفلسطيني في الفضاءات الثقافية المتعددة عربيا ودوليا.
*     *     *
لقد مثل صدور وعد بلفور في عام ١٩١٧ كارثة وطنية مهدت لتحطيم وتفتيت المجتمع الفلسطيني، وتأسيس حالة استعمارية مناقضة لرواية الأرض والتاريخ،  فالحركة الصهيونية التي اتخذت من هذا الوعد المشؤوم ركيزة أساسية لمشروعها الاستعماري الاستيطاني على أرض فلسطين جعلت من مجازرها ومخططاتها الاستيطانية شكلا من أشكال الاستيلاء على الأرض وذاكرة المكان، وقد ظهرت أبرز ملامح هذه السياسات الاستعمارية في عام النكبة ١٩٤٨ وتلا ذلك في حرب حزيران عام ١٩٦٧ ومازالت السياسة الاستعمارية الإقصائية القائمة على القمع والاضطهاد ضد شعبنا مستمرة للنيل من صموده وثقافته وبقائه على أرضه لعرقلة مساعيه ومسيرته النضالية في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
*     *     *
إن مبادرة وزارة الثقافة للاحتفاء بمئويات رواد الثقافة في فلسطين يأتي من إيماننا بأهمية توظيف الذاكرة في الحاضر، فلقد أردنا القول من خلال هذا المشروع الاستراتيجي الذي ينطلق في عام ٢٠١٧ بأنه في ذلك العام ١٩١٧ والذي صدر فيه وعد بلفور، بدأ جيل جديد من رواد الثقافة يولد على أرض فلسطين، ففي عام ١٩١٧ ولدت سنديانة فلسطين فدوى طوقان، والتي شكلت بمسيرتها وسيرتها الإبداعية رمزا من رموز فلسطين.
إن رمزية المعنى هنا ودلالته ضرورية لفهم حجم التحدى الملقى على عاتق الثقافة الفلسطينية في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.
ففدوى طوقان إلى جانب أهميتها كشاعرة رائدة فهي أيضا تمثل نموذجا للتحدي والإرادة بالعمل والإبداع، ما جعلها تنتزع مكانتها على خارطة الشعر الفلسطيني والعربي. كذلك تمثل سيرة فدوى طوقان الإبداعية مصدرا من مصادر الإلهام لأجيال الحاضر وأجيال المستقبل وذلك من أجل البناء على تجربتها واستكمال مسيرة الإبداع بذات الرؤية الوطنية التي تتخذ من فلسطين دوما عنوانا وملهما .
*     *     *
إن جيل الرواد الذين ولدوا منذ العام ١٩١٧ هم امتداد لجيل رواد الثقافة في فلسطين والذين ولدوا قبل هذا العام وأثروا الثقافة والحضارة العربية لاسيما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
ففلسطين ما قبل النكبة مثلت حالة ثقافية مشعة في الفضاء العربي والدولي من خلال منارات ثقافية واقتصادية أبرزها القدس ويافا وحيفا التي شكلت إضافة إلى باقي مدن فلسطين حالة إبداعية وصورة من صور الحضارة. لذا فإن النكبة في عام ١٩٤٨ سعت في إحدى صورها القاسية إلى تفتيت هذا المشهد بل والسعي إلى طمسه ونفيه  ومحاصرته بخلق واقع استعماري مناقض للسياق التاريخي للجغرافيا ولا يستند إلى رواية المكان وتاريخ المكان، بهذا يصبح دور الثقافة محوريا وضروريا في استحضار الذاكرة الوطنية وصورة المكان من أجل التأكيد على التعريف بحقوقنا الوطنية والتاريخية وجعل المكان فعلا ثقافيا لا ينتمي إلى الماضي بقدر ما يؤثر في الحاضر ويلهم المستقبل.
هكذا أيضا يصبح قرار تأسيس المكتبة الوطنية الفلسطينية في عام ٢٠١٧ في ذكرى مائة عام على وعد بلفور أحد أبرز الردود الثقافية الفلسطينية على هذا المشروع الاستعماري، فالمكتبة الوطنية الفلسطينية هي خطوة استراتيجية نحو تفعيل المشهد الثقافي الفلسطيني وصون الذاكرة الإبداعية، كما تمثل صورة من صورة الإرادة الفلسطينية في التخطيط والعمل وفق رؤية تكاملية تراكمية من أجل الحفاظ على هوية المكان الثقافية وتاريخ الوطن.


د. إيهاب بسيسو
وزير الثقافة الفلسطينية

 

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.