بحلقة في الفاجعة
عبد الرحمن القلق

1

إن كانتْ التناقضات هي الثّوابت الوحيدة لهذهِ الحرب فامتثالنا لها هيَ

أكبر تناقُض و أكثرها شُذوذاً .

 

التّناقُض بمعايشتنا للفظائع التي تتركها الحرب على الدّوام وتُحدّدها ذواكرنا المُتخمة بنطاق الماضي الذي لا ينفكُّ يُقحمُ إليهِ مآلَ الحاضرِ والغدِ وحتى المستقبل .

و التّناقض بقوارير الملح التي تذوّب الأفئدة وتعلّمها كيف تنقضّ على أول رشفة ماء بكُل شهوانية و عطش بعد حرمان وانتظار، هُنا تكمُن الفاجعة؛ أن تتمسّك بشهوانية بالحبل الذي سيودي بحياةِ الآخر للموت مِن أجل أن تعيش، أن تصيرَ و السّواد واحداً بحجةِ خوفكَ من أن يفنى الوحيدُ في هذا الكثير .

 

2

في الحرب أنتَ النّقيضُ إن أضاءكَ السّلامُ والأمل،

سيتقربونكَ
إما أن يقتلوكَ
أو تُطفئ النورَ بداخلك؛ كي تصيرَ لوناً واحداً وظُلمتهم،

لا تجدُ بعدها فتيلَ الضوءِ مِن جديد..
لذلك ، سِر والتمس خطوطَ القمرِ التي تؤنسُ الطريقَ إلى الفجرِ البعيد،
سِر قبل أن يقربوا جوفكَ و ينفخوا في قلبكَ من سوادهم

القلوبَ التي أُضيئت في الحقيقة لا تكون مواقفنا و اتّجاهاتنا سوى انعكاس عن خلفيات شحيحة امتلكناها مُصادفةً إثر فاجعة ألمّت بنا أو بشخصٍ قريبٍ منا. بالمُقابل ليس بالضّروري أن نسمع صاحب الكفّين البيض حتى النّهاية، لكن علينا أن ندركْ أن لكلامه حروف مسنونة تتفوق بالجريمة على خطابات السّلام وحقوق الإنسان الزرقاء والمُنمقة بالوروود.

تلكَ الحروف تتفوّق حتى على الرّصاص بتشكيل الحُفر في أجسادنا، كما و تتفوّق زمنياً بالاشتراك مع تلك الخطابات المسالمة على تحديد الموعد الحاسم لانتهاء الطّبخة المُفيدة للجميع عدا الشّعب الذي سيظل قبل النار و بعدها مجرّد دجاجة تُسلَق بهدوء.

 

3

إن كانتْ التناقضات هي الثّوابت الوحيدة لهذهِ الحرب فامتثالنا لها هيَ أكبر تناقُض و أكثرها شُذوذاً،

فمن قالَ أن علينا الامتثال للخيارات التي فرضها القاتل والمقتول في آنٍ واحد؟

مَن نظّف أظافر القاتل من دمِ القتيل؟
ومَن أعطى الحقّ بالقصاص مِن ابن القتيل الذي لا يعلم عن أبيه السّفاح إلا الفارس النّبيل؟!

إن كُنت تريد حقاً أن تنظرَ من زاوية إنسانية فعليكَ -بينما يُبحلقون بالفاجعة- أولاً أن تُغمضَ عينيكَ و تتعلّق بعنقِ السّحابِ ثُمّ تتنفسُ ما استطعتَ من الهواءِ قبل أن يصلَ إليك الدّخان، عليكَ ألا ترى سوى المبادء التي لا يُغيّرها موقف، ولا تصقلها رصاصةٌ أو شظية.

عليكَ أن ترفض التّعايش مع الموتْ وألا تتقبّل جسد الضّحية كمادة إعلامية لجريدة أو مؤسسة إنسانية.

عليكَ أن تعلم أنّ السّياسة تُحتّم عليك التبلّد قُبالة أشنع الجرائم، فبينما تستفزّك هي للبحث عن تفاصيلها في جُثّة القتيل؛ تكون قد غمستَ أصابعك بجُرحهِ، عليكَ أن تعلم أن الهدف الثاني للرصاصة بعد جسد القتيل هو إنسانيّتك.

مهما قالوا لكَ أن الدّمع يجعلكَ أكثرَ عُرضةً للحرب؛

لا تسجيب و ابكِ ما استطعتَ من هذا الملحِ!

لأنّك إن لم تفعل، سيُدخلونَ الغيمَ من ثُقبِ قلبكَ وتنفجر..

 

4

احكِ عن عناقٍ طويلٍ ترجوهُ وحبيبتك خلسةً من رصاصةٍ أو مُشاةٍ يحملون وزرَ أمواتهم، إياكَ أن تسعى لتجفيف الدمِ المرشوقِ في مُخيّلتك بقماشةٍ قديمةٍ مما حملتَ في نزوحك، لأنك ستدمنُ تنظيف الدّم و تعيد الكرّة بعدَ كُل مذبحةٍ قادمة.
لا تتمنَّ أن تنامَ بسكينةٍ وأنتَ تعدّ الخرافَ و تتأمّل زوايا غُرفتك بكلّ سذاجةٍ لتستيقظَ صباحاً وتبتسمَ ببلادةٍ قُبالةَ أمك، لا تتمنَّ ذلك كي لا يصيرَ صباحُك عاديّاً جداً،

مُسالماً ومُناسباً لضحيّة ..

 

فلسطين، ألمانيا

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.