سيادة القانون وبناء الدولة صياغة العقد الاجتماعي
بقلم: روبيرتو فالنت

إن بناء الدولة الفعال ليس مجرد بناء أو تعزيز قدرات مؤسسات الدولة، بل هو صياغة "لعقد اجتماعي" بين الدولة ومواطنيها،

وتشكيل وتطبيق مجموعة من القواعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحكم كل من المجتمع والدولة نفسها. إن هذه العلاقة هي شكل من أشكال التسوية السياسية التي تحدد عمليات المراقبة على السلطة وحدود المؤسسة الفردية. توفر سيادة القانون مرساة لهذه العلاقة، فهي المؤسسة وهي النتيجة لتلك التسوية السياسية. إن سيادة القانون ، في جوهرها، هي الإطار التنفيذي للعقد الاجتماعي، ولذلك فهي أساسية لنجاح أو فشل مشروع بناء الدولة، لأن الخبرة علمتنا في أماكن أخرى، أن إعطاء الأولوية لبناء المؤسسات فوق كل الجهود لضمان مساءلة الحكومة، والتماسك الاجتماعي، وأمن المواطن، وحماية الحقوق، كثيرا ما قوض الإصلاحات وسمح بالنهاية لزعزعة الاستقرار والعنف.

 

 

 

إن تعزيز سيادة القانون مهمة معقدة وغالبا صعبة، خاصة وأنها تهتم بممارسة السلطة السياسية، وتوزيع السلطة والموارد، وحقوق الإنسان. وبعيدا عن كونها مسعىً تكنوقراطياً بحت، فإن تطوير سيادة القانون في أكثر الأحيان سياسياً إلى حد كبير في مضمونه وطبيعته، ويخضع للمصالح المتنافسة. يمكن لتحديد نقاط البدء في معالجة القضايا المنهجية أن يشكل تحديا كبيرا، حيث غالبا ما يتطلب إدخال التحسينات استثمارات طويلة الأجل، كما ويمكن لقياس أثر الإصلاحات ان يكون عملية معقدة وكثيفة  الموارد. إن فهم هذه العوامل هو الحاسم في نجاح أو فشل الجهود المبذولة لتعزيز سيادة القانون في دولة فلسطين، وإن تضافر التوافق الوطني والدولي ضروريا إذا ما كان للتقدم ان يتحقق في الإصلاحات الأساسية اللازمة لحماية العقد الاجتماعي وتجنب  خطر تقويض جهود بناء الدولة.

 

عقب إنشاء جهاز الحكومة الفلسطينية الرسمي منذ أكثر من عشرين عاما، شرعت السلطة الفلسطينية في فورة من النشاط بإضفاء الطابع الرسمي أو وضع الأطر الداخلية التي هي السمة المؤسسية المميزة لعقد اجتماعي تحكمه سيادة القانون في مكانها الصحيح- كدستور مؤقت يشكل القانون الأساسي الفلسطيني، والمجلس التشريعي، والسلطة القضائية المشكلة رسميا، وقدرات إنفاذ القانون، وهلم جرا. اليوم، ومن جراء أجندة بناء الدولة المكثفة، وصلت كثير من هذه المؤسسات إلى مرحلة النضج الكبير من حيث التنظيم الهيكلي والوظيفي وقدرتها على تقديم الخدمات للشعب الفلسطيني. مع ذلك، فإن السؤال الأساسي الذي يجب أن يطرح هنا هو: إلى أي مدى نجحت هذه العملية في تعبئة علاقة ديناميكية بين الدولة والمجتمع يمكن من خلالها جعل التفاوض على التوقعات شرعيا ويُدار وفقا لسيادة القانون، وما هي الخطوات اللازمة لزيادة تعزيز ذلك؟

 

بالطبع ينبغي الاعتراف بتحديات السياق الحالي. فعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، إنعدام وجود أفق حول قضايا الوضع النهائي، وجمود عملية السلام، وتشديد الاحتلال، والإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة، والقاعدة الاقتصادية الضعيفة، والمشاركة الدولية المتقطعة، وتحول الأولويات الإقليمية؛ جميعها تضع عوائق كبيرة. وفي ذات الوقت، ينعدم محليا وجود تسوية سياسية داخلية، الى جانب الأطر القانونية الخاطئة وضعف القدرات في مؤسسات العدالة والأمن، لهو دليل على التفكك الاجتماعي، وتصور "تحقيق الأمن" المتنامي؛ جميعها تعيق تطوير قاعدة قوية لإطار سيادة القانون.

 

في خضم الصراع الذي طال أمده والاحتلال، نستشعر بعمق التوق إلى العدالة، وأن ضرورة تعزيز العقد الاجتماعي وتلبية التطلعات المشروعة للمجتمع هو الأكثر أهمية. وبالعودة إلى سؤالنا، فمن الانصاف القول بأنه على المستوى العام للصلة بين الدولة والمجتمع وإطار سيادة القانون الذي ينظم كل ذلك، كان التقدم متفاوتا. على الجانب الإيجابي، ظهر في بعض الحالات تحسناً في ثقة الجمهور والثقة في مؤسسات سيادة القانون التابعة للدولة خلال السنوات الأخيرة ، فضلا عن أمثلة حول تزايد بعض الخدمات القانونية المستجيبة. نأمل ان يشكل التعاون المستمر في قطاع العدالة المزيد من التقدم في تطوير استراتيجية المساعدات القانونية الوطنية، وعلينا أن نتذكر باستمرار أن معاهدات حقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين عام 2014 هي من بين الأدوات الأكثر قيمة في متناولنا جميعا في هذا المسعى الشامل.

 

من ناحية أخرى، لا يزال التقدم المحدود على بعض الأولويات المُقرة لتعزيز سيادة القانون في دولة فلسطين مثيراً للقلق. تناقش الأمثلة في الأماكن الأخرى من نسخة  TWiP هذه، لكن أود أن أشير على وجه الخصوص إلى ضرورة اتخاذ خطوات لاستعادة الثقة في استقلال القضاء، لضمان المساءلة حول انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان يقترفها أفراد الأمن، ولتوضيح أدوار ومهام قطاعي العدالة والأمن، وللمضي قدما في توحيد الأطر القانونية، وإعطاء الأولوية لإعادة تأسيس سلطة قضائية واحدة وموحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذه كلها قضايا حساسة، لكنها في صميم تعزيز سيادة القانون لتدعيم العقد الاجتماعي – وإن المشاركة المدنية في هذا الخطاب أمر ضروري.

 

لسبب وجيه، حظيت المساعدة الدولية لقطاعات العدالة والأمن الفلسطينية بأهمية أكبر وأعظم منذ بداية عملية بناء الدولة الفلسطينية كاعتراف عادل للدور الفعال الذي لعبه إطار سيادة القانون في حل النزاعات وفي عمليات التنمية والديمقراطية. إلا ان المجتمع الدولي لم يوائم مساعدته دائما بفعالية كما ينبغي عليه. إن الموائمة الدولية الأفضل لهي أمر ضروري لتعزيز إصلاح سيادة القانون والتنمية على المستوى المحلي في فلسطين. وفي الوقت نفسه يتعين على الدول الأطراف في الأمم المتحدة أيضا مسؤولية جماعية لدعم الامتثال لصكوك حقوق الإنسان الدولية وقرارات مجلس الأمن في الأمم المتحدة لتعزيز سيادة القانون والمساءلة على المستوى الدولي.

 

في سبيل تعزيز نهج متماسك لمساعدة سيادة القانون في دولة فلسطين، يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الآن على وضع إطار برنامجي متكامل، بالتعاون مع اليونيسيف ومنظمة الأمم المتحدة للمرأة. وجنبا إلى جنب مع الجهات المانحة وشركاءنا الآخرين في التنمية، وبالشراكة مع الحكومة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني، من المؤمل ان يسهم هذا البرنامج إسهاما هاما في تعزيز سيادة القانون، وترسيخ العقد الاجتماعي، وتعزيز أجندة بناء الدولة.

 

روبرتو فالنت هو الممثل الخاص لمدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمساعدة الشعب الفلسطيني (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي / برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني). وقبل أن يشغل منصبه الحالي، شغل السيد فالنت منصب المنسق المقيم للأمم المتحدة والممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السلفادور وبليز. ما بين 2007-2010، كان السيد فالنت نائب الممثل الخاص في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي / برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني. وما بين 2005-2007 شغل منصب نائب المدير القطري في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وقبل ذلك تم تعيينه كنائب ممثل مقيم في السودان ما بين 2002-2005. بدأ السيد فالنت مسيرته مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1995 في ألبانيا. وهو مواطن إيطالي حاصل على درجة البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية من جامعة بولونيا، إيطاليا، تلاها شهادة ماجستير أخرى في العلاقات الدولية من جامعة ساسكس Sussex في المملكة المتحدة.

 

ملاحظة: بدون تضافر جهود جميع الجهات الفاعلة - الوطنية والدولية، الحكومية وغير الحكومية - لضمان سلامة سيادة القانون في السياق الفلسطيني، سيواجه العمل الحثيث لبناء الدولة على مدى العقدين الماضيين مخاطر التقوض.

التصويت