خارج هذه الصور

  • نضال بلاوي

ضجيج:
رياحٌ قاتمةُ اللونِ تحيطُ بي وتختزلُ المكانَ البعيدَ المغبرَ والمقفرَ، أشتمّ رائحةَ شيءٍ بلاستيكيٍّ يحترقُ ويسكنُ ثنايا القماشِ والتراب،

إلى جانبي نساءٌ يجلسنَ بكلِّ ثقلهنَّ على كرسيٍّ قديمٍ من القشِّ، يطرّزنَ بخيوطٍ خشنةٍ شكلاً لولبياً على بنطالِ جينز أزرق. إلى الجانبِ الآخر أطفالٌ يلعبونَ في مكانِهم منْ دونِ أنْ يحرّكوا ساكناً ، أعيُنُهم مثبّتةٌ على الفراغِ ويعتريهم الصمتُ والصدمة، وأمامي رجالٌ يلبسونَ بدلةً رسميةً سوداءَ ويجلسونَ على شيءٍ لا أدري ماهيتهُ وسطَ عددٍ محدودٍ منَ الأزهار المنزلية.

 

على مقربةٍ منّي يوجدُ أناسٌ يمشونَ في خطٍّ مستقيمٍ نحو مكانٍ ما خلف هذا المكانِ كأنّهم ذاهبونَ في جنازةٍ، يبدو على وجوههم الاستياءُ والمللُ، وعلى أجسادِهم لا تظهرُ أيُّ تفاصيل..
فجأةً سمعتُ سقوط قطراتٍ من البنزين تسيلُ من مركبةٍ ضخمة، مزعجٌ صوتُها كنقرِ حذاءٍ على سطحٍ خشبيٍّ أجوفٍ، ومؤلمٌ كمطرٍ عملاقٍ فوقَ المدينةِ الباهتة. يزدادُ صوتُها إصراراً وانتظاماً، يقلُّ الوقت بين القطرةِ والقطرة حتى يكاد يختفي، أضعُ فمي تحتَ ماسورةِ البنزينِ حتى أخفي صوتَ ارتطامها بالأرض، أشعر بطعمهِ ورائحتِهِ القذرة تجتاحُني، أئنُّ للحظةٍ ثم أصمتُ، وبعدها يتوقفُ كلُّ صوت..

روتين:
فِراشي في مكانِه، سجائري في مكانِها، هاتفي المحمولُ، بدلتي، جسدي، حاسوبي الشخصيّ، طعامي، وثائقي الشخصية، تلفازي، بيتي، كلبي المدلّل، حسابي في المصرفِ، سيارتي، امرأتي، كلٌّ في مكانه، وكلُّهم ما زالوا لي. آويتُ إلى فراشي مطمئناً على صوتِ الساعةِ الإلكترونيةِ التي أعلنتْ انقضاءَ أربعٍ وعشرينَ ساعةً أخرى.

نساء:
فتحتُ عينايَ وإذْ بي في بيتٍ غريبٍ لا جدرانَ تفصلُ بينَ غرفهِ، طلاءُ حيطانِهِ أسودٌ قاتمٌ، وفيه عشراتُ النساءِ الغريباتِ عنّي يملئنَ المكانَ، إحداهُنَّ تضعُ ساقَها في المرحاضِ المتسخِ ثمّ تخرجُها بهدوءٍ... تنتظرُ إلى أن يجفّ ما علقَ بساقها ومنْ ثمّ تعيدُ الكرّةَ، وأخرى تلطّخُ جسدَها البرونزيّ العاري بأحمرِ الشفاهِ فاقع اللون... تتلوى كمن أصابه الدوارُ، أرى هناك امرأةً تمشي ببطيءٍ بشكلٍ دائريّ وعيناها مسمّرتان على الأرضية التي تهتزُ، رفعت رأسي فوجدت واحدةً واقفةً على كرسيٍّ مرتفعٍ جداً يكادُ يُوصلُ رأسَها إلى السقفِ وتصرخُ بأعلى صوتِها واصفةً مفاتِنَها، أخفضتُ رأسي فوجدتُ أخرى تلبسُ حذاءً بكعبٍ عالٍ تدقُّ بهِ بكلِّ جرأةٍ على أديمِ البلاطِ، وواحدةٌ نائمةٌ وعيناها مفتوحتان على اتساعِهما والأخرى تغطُّ في نومٍ عميقٍ وتشخرُ، وهناكَ امرأتانِ تتناقشانِ بصوتٍ لبقٍ حولَ ما يوجدُ خارجَ هذا المكان، أخرى واقفةٌ أمامَ الحائطِ وعيناها تحدقان في سواده، واحدةٌ تتكوّرُ على نفسِها وتمدُّ يديها حولَ جسدها تريدُ أن تخفي معالمهُ، أخرى ترقصُ وترقصُ على سقفِ المكانِ من دونِ أن تسقط، وواحدةٌ تتحسّسُ جسدها راغبةً بكشفِ أماكنه الخفية، وتلك امرأة تضحك ضحكة مدويةً تهتزُّ أردافُها إثرَها ثمّ تبكي وتبكي كالغريق..، في زاوية من الزوايا صبيةٌ تبحث عن مخرجٍ من المكانِ لتوصلَ رسالةً إلى حبيبها... تتحسّسُ تفاصيلَ الحائطِ بصبرِ الخبيرة، وفي زاويةٍ أخرى تقفُ امرأةٌ أمامَ مرآةٍ وتهمس ثم تصرخ: أأنا أنا أم أنا أنتِ؟!

اغتراب:
كلُّ منْ حولي يتحرّكونَ بشكلٍ منتظمٍ على لحنٍ صارخٍ حيناً وهادئاً آخر، المكانُ معتمٌ حدَّ الشبع، ضيّقٌ جداً أشعرُهُ يحاصرُني، الناسُ هنا مغلقةٌ أعينُهم نصفَ إغلاقةٍ ويتواصلونَ بالإيماءِ، يلبسونَ ملابسَ تكادُ تكونُ متشابهةً، يلتفّونَ حولَ بعضهم ويشكّلونَ حلقةً تضيقُ أكثرَ فأكثرْ، يظهرونَ كمنْ يمارسُ طقساً دينياً، أحاولُ أنْ أندسَّ بينَهُم فأرفُضُ.

صوتُ الموسيقى صارخٌ كدقّاتِ قلبي الخائفة، شفتايَ ترتجفان منْ فرطِ العطشِ، تصغرُ الحلقةُ حتى تكادُ أنْ تختفي، يضيقُ المكانُ مبهمُ المعالم، الضجيجُ أصبحَ كصوتِ قذائفِ الدباباتِ، أغلقُ عينايَ وأذنايَ فأشتمُّ رائحةَ البارودِ وطفلاً متعفّناً في بقعةٍ منْ بقعِ المكانِ المبهمِ، أغلقُ أنفي فتملئني الهواجسُ وتنتفضُ الذكرياتُ، ويصعدُ إلى رأسي مشهدُ دبابةٍ تقصفُ بعنفٍ سقفَ الملجأ الباردِ لتملأ المكانَ بالضحايا، وغبار كثيف يخرجُ من خلفِهِ فجأةً ممثلٌ مسرحيٌّ يحرّكُ رأسَهُ يُمنى ويُسرى بطريقةٍ عبثيةٍ على موسيقى الكمنجاتِ والعودِ المضطربِ، يختفي فجأةً ليحلَّ محلَّهُ صوتُ ماكينةٍ تدورُ بسرعةٍ وتخرجُ من آخرها كلّ أشياءِ الوجود مقسمة ومبعثرة بطريقة مختلفة.

حرب:
هكذا هو صوتُ القذائف عند سقوطها على المدينة في الفجرِ: بوم...بوم، تعجزُ الوسائدُ عن إخفاءِ هذا الصوت، فهو يسكنُ المكانَ وتفاصيلَهُ، ويدقّ في الرأسِ بعنفٍ كمطرقةٍ فولاذية.
- برافووو لمنجزاتِ الإنسان الحضارية - ردّدوا معي برافووو، لنرقصَ جميعاً مع طوابيرِ الجثثِ المكدّسةِ فوقَ الإسفلت ولنشربَ نخبَ الحضارة على لحنِ الطائراتِ، بوم...بوم.
لنعتبر المشهد سريالياً ونعيد تركيبه من جديد، (حذاء يسقطُ على عشراتٍ من الكائناتِ الصغيرةَ، وجهٌ مشوّهٌ هناكَ ينظرُ بلهفةٍ إلى ساقٍ مبتورةٍ، وأصابعَ متناثرةٍ تعزفُ البيانو على الإسفلت، يد هناك لوحدها تداعبُ النسيمَ، وبيتٌ هنا قرّرَ أن يستقيلَ منْ عمله، النساءُ يغطين أزواجهُنَّ الذين قرّروا أن يناموا في الشوارع...، وصوتُ صافراتِ الإنذار سيمفونيةٌ في هذا المسرحِ المُهَدّم، وفي الأعلى طائرات تفرغُ ما بجعبتها من بولٍ مع العصافير).
كلُّ ما يفكرُ فيه القابعونَ الخائفونَ في الملجأ هو صوتٌ واحدٌ:بوم...بوم، والضحايا يمارسونَ الصمتَ الأزليَّ منتشينَ مِنْ صدى الموسيقى، والجنودُ كمن يقفُ على أسوارِ المدنِ القديمة المحترقة يعزفون...بوم...بوم.
لماذا الخوف؟! تعالوا لنرقصَ في الميادينِ، ونشربَ النفطَ فنثملَ من رائحتهِ، ونلتقطُ شظايا القذائفِ لنزرعَها عندما تنتهي الحرب، ونرسم عليها عينينِ وشفتينِ لنرى ردةَ فعلها لحظةَ المعركة..أما الآن فلننسى كلّ شيءٍ حولَنا ولننصتُ سوياً...بوم...بوم.

هوية:
أتسائلُ دوماً، كيفَ يمكنُ أن أرى نفسي والآخرَ خارجَ هذه الصور؟ وأن أعرفَ ماهيةَ الأنا والأنتَ لنكونَ نحنُ أنا وأنت لا نحنُ نحنُ، ربَّما إذا مسكت دمية وتكلمتُ في فمِها أكون أنا فيها أكثرَ منَ الأنا فيّ، فأتحرّرُ جزئياً من عبأ الظروفِ وأنطقُ كما ينطقُ داخلي من دونِ قواعدٍ اجتماعيةٍ للسلوك.
أصرخُ منْ خلالها متى شئتُ، أبكي، أبتسمُ، أضحكُ، أقولُ الكلامَ البذيءَ، أنقدُ من أريدُ، أنظر للنساءِ كيفما شئتُ، أرتّبُ المساءَ وفقَ رغبتي الشخصية، أحاورُ ظلّي حولَ الإضاءة التي تريحُهُ، أكوّن من خشبي لغةً للصامتينَ والموتى...

رحيل:
في البعيدِ أرى جيتاراتٍ عتيقة تعزفُ لحناً هادئاً وحدَها بجانبِ النّهرِ لترتعشَ أوراقُ الشجرِ العجوزِ وجسد الكوخِ القديمِ الدافئ، أخضرٌ أخضرٌ هناك - بعضٌ منَ الأحمر والأزرق والأصفر يكسرُ نمطيةَ الأخضر- . وأرى حبيبينِ يمشيانِ على الغيمِ الخفيفِ ويرقصانِ كما الألوان في مدى مفتوح، ومجموعة من الكبار والصغار يلعبونَ مع شجرةٍ تتخفّى على هيئةِ إنسان.

أركضُ باتجاههم ويسيلُ عرقي، أركضُ وأركضُ بشوقِ الهاربِ للنجاة في حلمٍ مزعجٍ. أصبحَ المكانُ فجأةً خلفي، ركضتُ باتجاهِهِ فعادَ إلى الأمامِ، تقلّصَ حتّى أصبحَ قطعةَ حديدٍ صغيرة، ركلتُه بقدمي بعفوية ثمّ عدتُ من حيثُ أتيتُ...اللّامكان.

أرشيف فلسطين الشباب