صفحة من كتاب

  • مقاطع من حوار مع صاحب نوبل للآداب عبد الرزاق قرنح

منذ هجرته إلى بريطانيا سنة ١٩٦٨م، أصبح عبد الرزاق قرنح معروفا كاتبا روائيا مهما وناقدا مراجعا للأدب

الإفريقي. وُلد في زنجبار سنة ١٩٤٨م، وصادف وصول قرنح ذروة السيرجنت ببر Sargent pepper، ولشهرٍ خلى قبل أن يلقي إينوخ بوِّل خطاباته سيئة السمعة الموسومة بـ”أنهار الدم” ومع نشره أولى رواياته، استكشف قرنح موضوعة نزوح المهاجر، سائلاً: ما الذي يحصل للناس الذين هم بكل معنى جزءٌ من مكان، لكنهم لا هم يوحون بأنهم جزء من مكان ولا هم محسوبون جزءًا منه. في أوائل رواياته “ذاكرة الرحيل” (١٩٨٧)، و”درب الحجيج” (١٩٨٨) و”دوتي”(١٩٩٠) كان التركيز منصباً بادئ بدء على لا بلديّة المكان، وعلى التغيرات السياسية والاجتماعية التي خلقت تحولات ديموغرافية ضخمة في عالَم القرن العشرين المنصرم. بلغت “الفردوس”، روايته الرابعة، القائمةَ القصيرة لجائزة البوكر سنة ١٩٩٤، وتجري أحداثها في شرق أفريقيا قبل عقد من اندلاع الحرب العالمية الأولى. إنها تقدم القارئَ على عدد من القصص المختلفة والمتسابقة، قصص لا تجادل نسخ التاريخ المجمع عليه أوروبيا فقط بل تفكك النزعات القومية التي تروم بها أهدافاً لبعض الأعمال الروائية المبكرة المكتوبة بأقلام أفريقية. في حين أن روايات قرنح الأولى وعلى نحو بيِّن أكثرُ انهماما بالواقع الفيزيائي للنزوح [البشري، إذ يحل بشر محل بشر آخرين، وتستقبل أرض بشرا بعد أن ودعت حتماً آخرين] وبمنقاشة أسئلة العرق والهوية في بريطانيا، فإن رواياته الأخيرة- “تعظيم الصمت” (١٩٩٦) “عبر البحر” (٢٠٠١) تضغط بثقلٍ على رموزٍ تحمل عوالمها داخلها، في مشهد جواني مبني من قصص وذكريات ولا موثوقية التجميعات المتخيلة. قرنتْ “عبر البحر”، آخر رواية له، قصةَ طالب لجوء بقصةِ مثقف مهاجر. ففي كشفه للانقطاعات بين سرديتين للنزوح في العصر الحديث جد مختلفتين، ووضعيات هي في الكثير الغالب مدمجة في احتفاءات هادئة لمهاجرٍ حاله هو حال الإنسان العادي في القرن العشرين، فإن قرنح يبدو متحركاً نحو نطاق استكشفته بإسهابٍ أكثر أفلامٌ من قبيل فيلم “أشياء جميلة وقذرة” لإسطفان فرير(٢٠٠٢). حين ينغِّص على التلصصية -المستغرقة في تلصصها ظاهرياً- ذات النموذج الجدليّ، ألا وهونموذج المُغرِب [الغريب الأجنبيّ] ما بعد الاستعماري.

 

 

سشيلة نسته: لقد نشرتم في العشرين سنة الماضية ست روايات تتعاطى تساؤلات التاريخ، والهجرة والنجاة. وهي كتب تقطع عديد العوالم الثقافية وتغير بتردادٍ مواقعَها- سواء كان مسرح أحداثها في بريطانيا أو في شرق إفريقيا/ السواحل أو كلاهما. لقد غادرتم زنجبار سنة ١٩٦٨م إلا أنه يبدو أنكم ما زلتم تشتغلون على قصص وأصوات ذلك الماضي، معيدين بناء الذكريات داخل واقع الزمن الحاضر. هلَّا شرعتم [هذا الحوار] بذكر شيء عن افتتانكم الجلي بـ”الحكيْ” وبعثِ أصواتٍ من التاريخ؟

قرنح: لم يبدأ الأمر هكذا. أحسب أنه بدأ من إحساس بكوني طليقا وحرا على غير هدى. على أنه وفي خضم إرادتكِ أن تكتبي عن ذلك، فإنكِ تعودين إلى أشياء تتذكرينها. الذاكرةُ مَنْ يصبح المصدر، وموضوعَكِ، أو، لو قلنا، الأشياءُ التي تتذكرينها. إن المرء لا يتذكر دائماً بدقة، ويبدأ في استعادة أشياء ما كان أصلاً يعرف أنه يتذكرها. أحياناً هكذا فجوات تكون مشبَعة على نحو شديد الإقناع لدرجة أنها تصبح شيئا “حقيقيًا” هو على الضد من شيء “مبتنى”. وبهذا المعنى فإن القصص تستقل بحياتها الخاصة؛ تطور منطقها الخاص وحجيتها. في البداية قد يبدو الأمر وكأن هذا إلى الكذب قريب، إذ ما تفعلينه في الواقع هو إعادة بناء نفسكِ على ضوء الأشياء التي تتذكرينها.

سُشيلة نسته: حقيقةً فإن ما تشير إليه روايتكم الأولى “ذاكرة الرحيل” هو هذا. إنني أريد أن أعود إلى بداية مشواركم مع الكتابة، إلى تلك الرحلة التي ارتحلتموها من عالم إلى آخر، وأن أسألكم عما إذا قد سرَّعتْ ذكرياتُ الرحيل تلك وتجربتُكم الوصولَ إلى بريطانيا -مكانٍ سميتَه في موضع ما “الأرضَ الغريبة”- من كتابتكم لتلك الرواية الأولى. أكنتم تكتبون قبل أن تغادروا وطنكم أم أن تجربتكم في بريطانيا الستينيات دفعت بكم إلى كتابة الرواية؟

قرنح: لقد كانت بالتأكيد تجربتي في إنجلترا السببَ، لكن ذلك لا يعني أنني ما كنتُ أكتبُ قبلها، على أن ذلك لم يكن كتابة. بكلمات أخرى، ما كنتُ أفكر فيها بأنها كتابة. لقد كانت محض فعل أزاوله. لم أفكر مباشرةً أنني سأكتب. لقد كان الأمرُ مجرّدَ واقعِ أنني كنت في إنجلترا وأنني وجدت نفسي قد شرعتُ في الكتابة. إنني أفكر في “ذاكرة الرحيل” على أنها الرواية التي تعلمت من خلال كتابتها الفرق المهم بين تدوينِ أشياءٍ وبين الكتابةِ، عملية ابتناء الأفكار في شكل أدب تخييلي.

سُشيلة نسته: هذا أمر يثير الاهتمام لأن صدى ذاك الكتاب يرجّع كما أرى في عملكم اللاحق؛ صغائر الأشياء التي تظهر لاحقاً ولو في كتابٍ مثل “الفردوس”، روايتكم الرابعة. هل ترون أيّ تواشجات بين هذين العملين؟ تتعاطى رواية “الفردوس” بوضوحٍ زمناً مختلفاً – يجري في بلاد السواحل بين عامي ١٨٩٠م و١٩١٤م في حين تجري أحداث “ذاكرة الرحيل”، بعد تلك المدة بزمن، في الستينيات من القرن العشرين- لكن يبدو أنها ثمة تشابهات في المزاج. أثمة أي رابط بين هذين الكتابين؟

قرنح: لدى الكتّاب دوماً وصلةُ أرضٍ صغيرة جداً يقيمون عليها عملهم. يغطونها المرة تلو الأخرى من مواضع مختلفة قليلاً. ولا يفعلون هذا عن اختيار. بيد أن هذه الأشياء التي تحوز انتباهنا، وتقلقنا لا تني تعود وتتكرر. حتى لو كنت تظن أنك تستطيع كبحها وكبتها فإن هذي الشواغل أو الهموم تعاود الظهور على السطح. وهي تمثلُ الطرائق التي يفكر بنحوها الكاتبُوأحياناً حتى، تفكيرَه[المتمثِّلَ] من نحوٍ واحد. وعليه فإنه دوماً يوجد هذا الشغل اللامنجَز ، مواصلاً حضوره من كتاب إلى آخر.

سُشيلة نسته: أظن أن جين ريس قالت عند حديثها عن رواياتها إن “أربع غرف وعلّية هي الحياةُ عينُها”. لا أقول إن خبرتها النزوحَ امرأةً خلاسية بيضاء من دومِنِكا متروكة وطليقة في لندن وباريس زمن الثلاثينيات والأربعينيات هي -بأي نحو- ذات خبرتكم، لكن هل من معنى يخلق جميع الكتَّاب من خلاله “غرفاً” بعينها أو فضاءً تخييلياً داخل أعمالهم الروائية حيث يبقون مشغولين به؟

قرنح: نعم، أكيد. خصوصاً، في الحالة هذه، إن الأمورَ التي حازت اهتمامي في “ذاكرة الرحيل” كانت أمورا تتعلق بالكبار، إن كنتِ تعلمين ما أقصد. لم أكن أكتب فقط من موقع خبرة شخصية. كنت أفكر في المكان والمجتمع وخبرة العيش هناك. فليس من قبيل المفاجأة أن تلك الأفكار ستستمر؛ في حين إنك لو كنتِ تكتبين ابتداءً من موقع خبرة سير ذاتية، فإنه من الممكن أن تغدو مادتُكِ شيئا ترغبين في أن تنبذيه وراءكِ ظهريا، لا شيئا تريدين أن تظلي تتعاملين معه.

سُشيلة نسته: شمل الزمن الذي قضيتموه في بريطانيا حقبة مهمة من التاريخ السياسي والثقافي إذ إن أواخر الستينيات تصادفت مع ذروة  اينوخ بول وخطاباته سيئة السمعة والمعادية للأجانب المسماة “أنهار دم”. التركيز على قضايا اللجوء واللاجئين، موضوع عولج في رواية “عبر البحر”. كونكم كنتم جزءاً من هذا التاريخ المكتوب عن بعضٍ من هذه الأمور من منظور المنبوذ اللامنتمي في رواية “درب الحجيج” وفي رواية “دوتي”، هل لكم أن تقولوا إن الأمور قد تغيرت؟ أو إن السياسيين اليوم ما زالوا يتحدثون عن ذات الأمور- العرق، والهجرة، والوطنية العمياء- لكن معبراً عنها بألفاظ مختلفة ومقنَّعةً تحت مسميات مختلفة؟

قرنح: الأمور تغيرت، لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنها تحسّنت، وبذلك لا أقصد أن كل ما كان يحصل من بذاءات في الشوارع ما زال يحصل بذات الطريقة اليوم. لكن الجميع تغيروا. بعض الأمور ازدادت اتضاحاً، وبعضها ازداد صعوبةً كذلك. وعلى القدر الذي يهم غير الأوروبيين، فقد صارت العامة أكثر “تحضراً”: أيا كان الذي يفكرون فيه، فقد تعلموا ألا يجبهوا به الآخرين مباشرةً فيكونون على نحو صريح مسيئين أو ما إلى ذلك. يوجد إحساس حقيقي حالياً بأنه من الممكن للإنسان أن يعيش في مجتمع حيث يكون للناس حقوق، حق في المعاملة باحترام كذلك الحقوق القانونية. لذا في هذا الخصوص، فقد تغيرت الأمور. لكن فيما يتعلق بالحال الذي عليه العالم اليوم، فلستُ على كبيرِ يقينٍ. وإلا فسأقول أن القوى الاستعمارية الحالية الفاعلة في الشرق الأوسط سيكون صعباً عليها أن تستمر فيما تفعله.

سشيلة نسته: وهل سيتكرر ظهور الصور النمطية ذاتها على الدوام؟

قرنح: نعم. في هذا الجانب يبدو لي أن الإمبراطورية يقيناً لم تندثر. ما زالت تشكل نظرةً إلى العالم مُطَمْئِنَةً ومريحةً. وما زال يدهشني أن الطريقة التي يتحدث بها الناس ويفكرون حول بريطانيا، هي بنحو ما منفصلة عن الطريقة التي يتعاملون بها مع باقي العالم.

سُشيلة نسته: تعالج بعض من رواياتكم الأولى، التي تجري أساساً أحداثها لحد كبير في بريطانيا، بوضوح قضايا العرق والهجرة ومحاولة كسر الصور النمطية الاختزالية، بالأحرى مثل الذي كان “سام سِلڨن” يصنعه زمنَ الخمسينيات في روايته الكلاسيكية Lonely  Londoners، ففي رواية “دوتي” تركزون على العناصر الإيجابية للعرق الهجين وفي “درب الحجيج” الشخصيةُ الرئيسة “داود” هي غريبُ يحاول مساءلة نماذج وأساليب النجاة في أرض أجنبية. إنكم لم تعالجوا تماماً ذلك النوع من الموضوعات بالطريقة نفسها في أعمالكم اللاحقة” تعظيم الصمت” و”عبر البحر”. هل تشعرون بأنكم قد قلتم كفايتكم حول ذاك النوع من الخبرة، أو أنها شيء شغلكم في حينه؟

قرنح: إنها لمقارنة مُطرية… سام سلڨن. إن ذلك أمرٌ ما انتهيت منه. لقد كان اهتمامي، في كل الكتب التي كتبتها، مأخوذًا دائما بقضية الأشخاص المُسائلين “هوياتهم”. أفترضُ عند نقطة واحدة أنني فكرتُ أن هذا طرح مكثَّف لحال الناس الذين نزحوا من أرضهم الأصلية. لطالما كنت مهتماً باستكشاف فكرة أن الناس يعيدون صنع ذواتهم وتشكيلها. في الكتاب الأول، بدا هذا أنه ما كنت مهتماً به أكثر من أي شيء آخر. إن الناس يأتون من مكان سحيق إلى مكان مثل أوروبا فيضطرون أن يتغيروا أو يتحولوا. ليس أمامهم خيار آخر؛ إنك لا تستطيعين أن تظلي كما أنتِ. ثم وبعد عدة سنوات ذهبت في رحلة… لقد كنت بعيداً عن بلادي مدة طويلة، بسبب كل القيود السياسية والمشاكل وما إلى ذلك. أظن أن الأمر كان عودة بعد كل ذلك الزمن الذي انقضى لدرجة أن انتباهي انقلب خلالها. ولم يحصل الأمر فوراً. كانت المرة الأولى التي عدت فيها إلى “الوطن” في سنة ١٩٨٤م ولم أكن قد نشرت أي شيء مطلقاً. لذا ما كان الأمر أني فكرت فوراً بعد عودتي “رباه، علي أن أفكر مرة ثانية”، لكن في الوقت الذي كتبت فيه “الفردوس” -بعد ست سنوات أو ما يقارب ذلك- عدت مرة أخرى وترحلتُ هنا وهناك وقتا أطول. وعندما عدت من تلك الرحلة كتبتُ “الفردوس”. أتصورُ أنه من تلك اللحظة فصاعدا تملكني الاهتمام بوضع الإنسان المهاجر، وعلى نحو مختلف. لكن في السابق حين كانت إنجلترا هي الواجهة -في الأقل، في “درب الحجيج” و”دوتّي”- في ما تلى من أعمال، فإن الواجهة قد تبدلتْ. تصبح مشهداً داخلياً حيث لا يهم كثيراً أين أنت لتستمر في الداخل المساءلات. لا يوحي العالم الخارجي بصلة، لكنه ليس بالتمام مركزياً جداً. لذا فإنه الإحساسُ بأولائك الذين يحملون عوالمهم في داخلهم ما حاز اهتمامي. وليس الأمر أني فكرت “حسناً، ذاك الموضوع السابق انتهى أمره”، لكن العدسة انقلبت. ومع ذلك، كما تعلمين، في كل من “تعظيم الصمت” و”عبر البحر” لا تزالين تجدين شخوصا في حركة مستمرة رائحة غادية فيما يتعلق بالطرق والوسائل التي ترتحل بها قصصهم.

سُشيلة نسته: تتحدث إحدى الشخصيات في رواية “تعظيم الصمت” عن إنجلترا بانها “حب مخيَّب”.  دائما ما صدمتني تلك العبارة بما هي وعلى نحو مهولٍ استحضارٌ لوضع الإنسان المهاجر.

قرنح: نعم. وهو فكرةٌ لا تزال تعود وتتكرر-على الأقل في الكتب اللاحقة. أظل أفكر أن الشعور الكامن في أساس معنى الانتزاع هو الخيبة. يصف “الحب المخيب” هذا الشعور لأنه ليس بسهولة سؤال صحوة من توهم وانخداعٍ بإنجلترا. هو أيضاً خيبة في النفس، خيبة في كيفية مقدرة الإنسان النازح على التكيف مع خبرة نزوحه. إن الأمر متعلق بالرغبات المخيَّبة بقدر كونه إحساسا بالواقع المخيَّب.

سُشيلة نسته: كونك كاتباً وناقداً فقد قرأتم لا شك بعض الكتَّاب وتأثرتم بهم. هل من أحد منهم قرأتم على وجه الخصوص أعماله في زمنِ تشكلكم وتكوينكم وأثر فيكم؟ يبدو أن ديريك والكوت واحدٌ منهم. فالمقالة التي كتبتموها مؤخراً لمجلة “عوالم مائجة”، تحت عنوان “فكرة من الماضي” تقترب بإحساس بالتاريخ مشابهٍ، من والكوت؛ فكرة الأدب الثوري الحقيقي لا أدب “الاتهام واليأس”. هل تريدون أن تقولوا شيئا عن دور الأدب سياسةً أو وظيفةَ الأدب في سياقٍ ما بعد استعماري حديث؟

قرنح: من السهل جداً على الكتابة أن تغدو نوعا من “فأس” يمكن استخدامها بقسوة في أوقاتٍ لإسكات هذا أو لجعل ذاك يتكلم. كلما طلب مني الناس أن أتكلم في هذا الشأن؛ قُلتُ “أنا لا أمثل سوى نفسي”. إنني لا أتكلم لأجل أي أحد آخر. غير أنه سهل جداً على الكتابة أن تكون للكلام في سبيل آخرين، خصوصاً هذا، فإذا شعر الناس بظلم وقع عليهم، وأن شيء يجب أن يقال وأنها توجد طريقة يجب أن يقال وفقها. أحسبُ أن الكتابة تؤدي الوظيفة المعاكسة. يجب أن تقول إنه ما من طريقة مُيسّرة ومباشرة لمعالجة مع هذا أو ذاك. يجب أن تتعلق الكتابة بما لا يمكن أن يقال ويعالَج بسهولة. و والكوت كاتبٌ يشكل تحدياً كبيراً إذ يُطلعنا على هذا الأمر. والأهم من ذلك، أنه يبين أنه لا يسعكَ أن تختزل إنسانية الناس بأن تضعهم بسهولة على هذا الجانب أو ذاك، أسود أو أبيض أو عوانٌ في موضع ما بين ذلك. تعجبني كثيراً فكرة أنه “كاتب عالمي”، كاتبٌ يرى نفسه منتمياً إلى عالم أوسع. إنه ليس نسيج وحده، فهو يتبع ضمن تقليدٍ عظيم لغيره فهذي الأمور ليست جديدة. دائما ما وجدتْ في الماضي هكذا تراتبيات، وما قُصد بـ”العالم” كان أوروبا. والآن نعرف أن الأمر مختلف. فالعالم الذي كان يتحدث عنه والكوت، أو العالم الذي أفكر به أنا أو حتى كتّاب مثل سلمان رشدي أو كاريل فيليبس وآخرون، هو ليس بذلك “العالم”. إن عالم ت. س. إليوت المرتبط بذلك “التقليد” كما قصد إليوت به وقتها- وهو كان ابن عصره، حتى لا أظلمه- كان عالماً مرتبطاً بالتقليد الأوروبي. والآن لدينا كتَّاب يأتون من عالم أوسع. أنا جزء منه.

عن موقع "قرطاس الأدب"

أرشيف فلسطين الشباب