مُتلازِمةُ جِدار

  • حلا النتشة

عصفورٌ في ملكوتِ الموتِ .. يطيرُ إلى العَدَم، مُثقلاً بالذَّاكِرةِ .. في عِدادُ الهجرات والجُدران

لكِنَّهُ على الأقلِّ، يطيرُ.

لأنَّ أفزع التجارِبَ تُبدعُ الحياة، ولأنَّنا دونها مشَّاؤونَ مُسيّرون في متاهة مُتكررة مُغلقة كدُمًى مسرحُها الوحيدُ جِدارُ قصَّتِها، والحكواتيُّ قديمُ الطِّراز لا يروي إلَّا عن العادات والتقاليد، ويُدلي بخيطِ الوطنية يومَ يُنقِّلُ فِكرُ السَّامعين "فؤادَهُ في الهوى" ويشطُ بأحلامِهِ خلفَ سِتارِ المسرح، تُعمِرُنا المُفارقاتُ كالوَطَن.

إن تسألني ما يُميِّزُ الفلسطينيَّ عن أيٍّ كان من الخلائق أجبكَ بأنَّهُ "مُسيَّج". يَقصُّون عنَّا الحبل السُّريَّ ليربطونا بجدار الحياةِ والوطن؛ ونمضي إلى أجلنا كُلَّ مرةٍ بطرزٍ جديدٍ من الجُدران، فمرَّةً بالهُويَّةِ وأُخرى بجوازِ السَّفر –إن وُجِد- وأخيراً بصِراعاتِ دواخِلنا التي لا تنضب. حاوِل اجتيازَ الجِدارِ يُفاجِئكَ سَلَفُهُ، وتعود من جديدٍ لدوامةِ الانغلاقِ الحَتمي، فاخدَع يا مِسكينُ نفسكَ واسهُ عن حواجِزَ تزولُ لتزداد.

لا يمحو عنوانٌ ثابِتٌ رِباطَ الفؤاد

والشَّكوى وإن تُقصيكَ

تغسِل عنكَ السَّواد

ويرنو للوميضِ رمادٌ قُربَكَ

لو كانَ جيبي حقيبةَ سَفرٍ لقطعتُ الخطوطَ بالطُّولِ والعرضِ، وعَبدتُ الشَّمسَ حتَّى تأخُذني إلى الأمَلِ، وتُركِّبَ لي جناحيْ عُقابٍ فأسمو لِعَدَن، لو لم يَقطَع عَنِّي سِلاحٌ –مهما صَغُرَ- أُغنيةَ البحرِ لَما حزمتُ دموعي وألقيتُها في بَحرٍ آخر.

وهجرةُ الجسدِ في حضرةِ هجرةِ الرُّوحِ أهوَنُ.

في الجنون والانشقاقِ أجِدُني، متوهِّماً جُدراني الكُثُر وحُريتي الزائفةَ، تُرمِّمُ ضياعاتي حُزني فلا أنسى، وذاكَ عزاءُ الذاكِرةِ والصَّدى في طيشيَ وبُعدي. لستُ الحالِمَ الأخير، ولا الوَطنيَّ الأوَّل، إنَّما تُغيرُني العَواصِفُ كما شاءَت وتُبقي على الجِدار الأخير حيثُ سِدرةُ مُنتهى الرَّوحِ، وتَختِمُ باسمِ الثَّرى أن لن أعود، وتلعنُني بالذكرياتِ، وترحُم تأميني الصِّحي من تسديد ثمن عقاقير الزَّهايمر.

أرشيف فلسطين الشباب