دوامة

  • أسماء عواد

الجسد ظل الروح،
كلنا يعرف نفسه عارياً، نحفظ مسامات جلدنا، إنحناءات قوامنا،

شتلات زغب أرجلنا وأيدينا، شاماتنا الدامسة وتلك المصفرة، تقوس أنوفنا، نتحسس حلمات آذاننا، حبوب وجوهنا، نعم نعرف انفسنا جيداً ومع ذلك لا يمكننا تلاشي الوقوع في مصيدة دوامة وإن كانت غير مؤذية في حوض استحمام، فها هي بين أرجلي تدور حول نفسها ململمة زبد الصابون بلا شفقة.

 

****

يهطل الماء على كتفيّ فيما يستسلم شعري للبلل بلا مقاومة تذكر، أزداد طراوةً وحلاوةً، تنتشر عيون الجياع حولي فأحرك يدي بعصبية داسةً إبهامي بحدقات الفقاعات الوقحة.
لا أدري كيف نتبرعم في عيون من حولنا!
فالعيون مصائد والعقول أفخاخ لا تقل عنها خباثة والأجساد شباك الولائم، ولائم الرغبة والشهوة والحب ولا أحد ينكر حب الصياد وشوقه لفريسته وإلا تركها لكن جوعه وشريعة الحياة المنادية بالاستمرار توزعنا على كشوفات الضحايا والجلادين وقد تجد اسمك أنت مكرراً في ذات الكشف أو في الكشفين المتضادين معاً!

***

يلبسني كخاتم، يحشو نفسه في فضائي فيخيل لي بأنه ضالتي، أنسج من سيل لعابه بساطي السحري الذي يأخذني لعوالم من الخيال، يضحك وأنا ألملم خطواته في أطلسي ويذكرني بلؤم بالمستحيلات ثم ينهرني إن بكيت.
أبحرت باتجاه منارته ولم أصلها وأجبرت نفسي على إسقاط خيار السراب من هذه الرحلة التي لا تنتهي؛ هو يراقبني عن كثب وكلما بردت ناري ضخ في فحيحها حطباً قابلاً لإشعال الروح، كنت أشم الحريق وأبتسم حتى بات لوني رمادياً؛ ليت قطرات الماء الساخنة تجرف من ثنياتي قتامة الشعور وتطعمها لهذه الدوامة الصغيرة التي تلاعب كعبي كجرو.

***

خياراتنا الصعبة هي لعنة تتعربش مستقبلنا قبل أن يبدأ، مثل أعشاب ضارة تنمو في حواكيرنا ولا سبيل للتخلص من جذورها المتينة وفروعها الشقية، نسقي جروحها ونلمع معدنها ونكوي أنفسنا بلظاها فتصطف ندوب التجارب كنياشين على صدورنا يقلدنا بها الألم ولكن لا بد من إتخاذها.
لا يريد حمولتي؛
كيف أفرغ نفسي وأنا ممتلئة به؟!
أي جرف أقفز من عتبته فلا أزهق روحي وأحقق مشيئته؟!
هذا؟
ذاك الذي خلف الجدار؟
سألته فلم يجبني فقد قال لي قبلاً تصرفي.
أمام رفوف معرفتي بحثت عن حل في بطون الكتب ولكنها عاقر قبالة بطني، تناولت أحبها لقلبي وضربت مكمن سري المتواري، دموعي غزيرة كهذا الماء النازف في حلق الدوامة اللعينة الشرهة،  تبلع بلا أسنان حمولتي رشفة رشفة دون أن تغص.
هذا الطفل أصبح الآن للدوامة..
لم يعد لي..
لم يعد له.

أرشيف فلسطين الشباب