ندوبٌ خفيّةٌ في غزة

  • بواسطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر

لقد كان التصعيد الأخير الذي مرّت به غزة في أيار/ مايو 2021 من بين أشدّ الأعمال العدائية التي شهدناها في المنطقة منذ سنوات.

ومن أبرز العواقب المترتبة على هذا التصعيد، والذي يكون في الغالب غير مرئي، تأثيره على الصحة النفسية الاجتماعية للأشخاص الذين يعيشون في ظل جولات متكررة من العنف، وهذا ينطبق بالتحديد على الأطفال.

 

إنّ دعم الصحة النفسية للأطفال في أوقات النزاع لا يقل أهمية عن تضميد الجراح النازفة أو حتى الحصول على مياه نظيفة صالحة للشرب. ترى اللجنة الدولية أن الحصول على خدمات الصحة النفسية أثناء النزاع وبعده ضروري وأساسي لدعم النسيج الاجتماعي للمجتمعات التي تعاني من النزاعات.

هذا ويفرض العنف المتكرر عبئاً إضافياً على السكان، فبعد انتهاء الأعمال العدائية يكون حجم التجارب الصادمة التي مر بها الناس بشكل عام، والأطفال على وجه الخصوص، هائلاً. وتبقى الذكريات المؤلمة محفورةً في الذاكرة، خاصة بالنسبة لأولئك الذين أُصيبوا أو فقدوا أحباءهم. والحقيقة أنّ الأطفال سيعانون من الآثار النفسية المترتّبة على التصعيد الأخير وغيره من الأعمال العدائية المتكررة لسنواتٍ عديدة.

دويّ انفجارات، طائرات زنانة، صافرات إنذار... يعيش الأطفال في غزة تحت وطأة رعبٍ دائم. ومن المؤشّرات النفسية التي يعانون منها تقلّبات المزاج والشعور باليأس والتبول اللاإرادي، كما يحاول هؤلاء الأطفال تجنّب مشاهدة الصور أو أي شيء قد يعيد لأذهانهم ذكريات الأحداث الصادمة والرعب الليلي.

في غزة، التقينا بعهد وبلال وأمل ورهف الذين شاركونا مشاعرهم وتجاربهم خلال التصعيد الأخير.

تقول عهد، 11 عاماً، من مخيم البريج: "ما زالت أصوات الغارات الجوية وسيارات الإسعاف عالقةً في ذهني. في المساء وعندما يحلّ الظلام، أشعر بخوفٍ شديد". مذعورةً من أصوات الانفجارات، كانت عهد تهرب للاختباء في حضن والدتها. وفي مراتٍ أخرى، كانت تبحث عن ملاذٍ آمنٍ في منزل جدّها وجدّتها اللذان كان عليها رؤيتهما وهما يفرّان من منزلهما بحثاً عن مأوى في مكانٍ أكثر أمناً، أو على الأقل هذا ما كانت تأمله العائلة.

وحتّى مع انتهاء التصعيد، تبقى الندوب خفيّةً في النّفوس. وإنّ هذا ما يجعل قضية الصحة النفسية أثناء النزاع أمراً بالغ الأهمية، إذ لن يتمكن الأطفال من الاسترخاء أو النوم لأيام أو شهور أو حتى سنوات بعد انتهاء النزاع.

يقول بلال، 9 أعوام، من مدينة غزة: "قُصف منزل جيراننا الساعة السادسة صباحاً. لم أستطع النوم من شدّة أصوات الضرب. لا يمكنني نسيان مشاهد إخراج القتلى والجرحى من تحت الأنقاض".

يجد أطفال غزة أنفسهم مُجبرين على الاختباء على مدار الساعة لحماية أنفسهم. فعلى سبيل المثال، نظراً لعدم وجود ملاجئ تحت الأرض، اضطر بلال للاختباء تحت الطاولة في انتظار سماع صافرات سيارات الإسعاف تعلن انتهاء القصف. "لقد كان القصف قريباً وشديداً للغاية. كنت أجلس تحت الطاولة وأضع يدي على رأسي. عندما ينتهي القصف، كان والدي يأتي إليّ ويحاول تهدئتي"، هكذا نقل لنا بلال ما كان يعيشه في كل مرة كانت هناك غارة جوية قريبة من مكان سكنه.

لا شك أنّ هناك حاجة ماسّة في غزة لتقديم الدعم النفسي للأطفال ليتمكّنوا من التأقلم مع واقعهم المرير والتغلب على التجارب المؤلمة التي مرّوا بها. يضيف بلال: "أكثر ما أخشاه هو أن أكون وحدي بعيداً عن عائلتي وقت القصف، كما أنّني دائم القلق من اختراق الهدنة". بالنسبة لبلال، ستبقى مشاعر الخوف والوحدة رفيقة له لفترة طويلة.

وأمّا أمل، فلا يزال دويّ الطائرات الزنانة والقنابل يتردّد في ذهنها كلّما أغلق أحدهم الباب في منزل والديها. تقول أمل التي تبلغ العاشرة من عمرها وهي من بيت حانون: "كلّما سمعت صوت إغلاق الباب، أهمس لنفسي: هل عادت الحرب؟ هل سنفقد منزلنا؟ هل سنموت؟".

ومن التحديات الأخرى التي يتعيّن على أهل غزة مواجهتها هي احتمالية فقدان منازلهم وأن يصبحوا بلا مأوى، ففقدان المرء لمنزله في أعقاب الأعمال العدائية المستمرة أمرٌ مروّع. لقد أخبَرَنا الأطفال في غزة أنّ المنزل بالنسبة لهم يعني الأسرة والحب والأمل والأمان والحماية... إنه المكان الذي يولدون ويترعرعون فيه، المكان الذي يعزّ عليهم، خاصةً وأنّ معظمهم قد عايش الحصار أغلب فترة حياته، فهم متمسّكون بمنازلهم ومرتبطون بها بقوّة.

من أقسى التجارب التي مرّت بها رهف، 10 أعوام، من بيت حانون، هي رؤية غرفة نومها مدمّرة جرّاء القصف أثناء التصعيد الأخير. تقول رهف: "أحتفظ الآن بالأشياء التي تعني لي الكثير في حقيبة أُبقيها قريبة مني  في حال اضطررت إلى الفرار من المنزل. في حال سمعت اقتراب الطائرات الزنّانة، سأتمسك بالحقيبة بكلّ ما لديّ من قوة". تضيف رهف وفي صوتها غصّة: "في اللحظة التي انهال فيها السقف وسُحقت غرفة نومي، شعرت وكأن أحلامي تحطّمت... شعرت أنني فقدت كل ذكرياتي الجميلة... لقد  دمّر القصف كلّ ما أحبّ في ليلة واحدة".

لقد كانت عائلة رهف مختبئةً في المنزل عندما اشتدّ القصف، كانوا أعمامها وجدّتها قد احتموا في منزل والديها ظنّاً منهم بأنّهم سيكونون أكثر أماناً هناك. وعندما فرّوا من المنزل، انفصل أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، فركضت رهف في اتجاه وهي ترى والدتها تركض في الاتجاه الآخر. ما زال صوت صراخ الأطفال وهم يهربون من منازلهم تحت القصف يتردد في أذني رهف، وما زالت رهف تشعر بالرعب من مجرّد التفكير بأنها قد تفقد أحد أفراد عائلتها يوماً ما أو أنّه قد ينتهي بها المطاف لوحدها، دون عائلة أو بيت يأويها.

وسط مشاعر الغضب والذعر والحزن والوحدة والخوف، ما زال أطفال غزة يحلمون بأن يصبحوا أطباء أسنان وفنانين وسباحين محترفين، فهم يحبّون القراءة والرسم والتمثيل وممارسة الرياضة وتمضية الوقت مع عائلاتهم وأصدقائهم. يحلم أطفال غزة بالاستيقاظ يوماً ما ليجدوا غزة خاليةً من الحصار أو أية قيودٍ أخرى، فهم يريدون التنقّل بحرية والسفر حول العالم. على الرغم من كل هذا الرعب الذي يعيشونه، ما زال لدى الأطفال في غزة آمال وأحلام بمستقبلٍ أفضل.

أرشيف فلسطين الشباب