القرد الذي أراد أن يُغيّرَ العالم

  • إسراء كلش

تقولُ المعلّمة: قرد؛ يضربُ الطلاب حيناً، وحيناً يألفُهم، يسرحُ في الحصّة، ويشاركُ في الأنشطة المدرسيّة، يقفزُ في الاستراحة عن سور المدرسة ويهرب،

وأحياناً لا يأتي إلى المدرسة أبداً.

 

يقولُ والدُه: ليس ولدي، قطعَ الله نسله إن كان من ظَهري، واللهِ لولا خوفي على أمّه المريضة لطردتُه من البيت.

يضيع! كلا لن يضيع، هذا المغضوب يضيّع بلداً.

قالَ زميلُه: إنّه مزاجيّ، أنا أخاف منه، والدي حذّرني من مصاحبته، لكنّه الأسبوع الماضي أعطاني دفترَه الذي طلبتهُ المعلّمة ونسيت شراءه، فضربَته المعلمة بدلاً منّي.

وأجابت الأم: والله إنّه يعود مع عَودة الطلاب من المدرسة ولا يتأخّر عن البيت، كيف تقولون إنّه لا يذهب إلى المدرسة؟ أم تريدون تجنين الصبيّ فقط؟

قال جده: ابن ابني؟ هذا ابن كلب؛ سرق من خزانتي زجاجة عَرَق السنة الماضية، أكيد باعها وخبّأ ثمنها هذا اللّص.

من؟ ابني؟ ربما مات، لم أره منذ ثلاث سنوات، لا أرى إلا قرده هذا يأتي ويسرق زجاجات العَرَق وحبّات الحلقوم، دنيّ النفس.

قالت المديرة: عليكَ التوقيعُ على ورقة التَعهّد هذه، المدرسة غير مسؤولةٍ عن تصرّفات ابنك غير المهذّبة؛ البارحةَ لحق بزميلته إلى دورة المياه، وكان يريد أن..

قالت المذيعة مبتسمة: هذا بعضُ ما كتَبتهُ عن نفسِك في سيرتك التي نشرتَها العام الماضي، صِف لنا أستاذي الكبير، كيف ولماذا كلّ تلك الشقاوة في طفولتك؟

ضحك الشاعر الكبير: في الحقيقة نعم، لقّبوني بالقرد؛ لأنني كنتُ بنظرهم مشاكساً، لكن أتصدّقين يا سيّدتي الجميلة، أنني حتّى الآن أعاني من فقرٍ في ذاكرة طفولتي؟ عندما كنتُ أهرب من المدرسة، كنتُ أذهب لأتأمّل في جبل القرية؛ فقد اعتقدتُ أيّامَها أنني ربما أصبح نبيّاً. وسرقتُ زجاجات مشروب جدّي ورشفتُ منها قليلاً  ثمّ رميتُها لطعمها السيء؛ لأقلّد الكبار الذين يشربون فيبدون أكثر اهتماماً للآخرين، وعلّني كنتُ أظنّ أنني سأكون شاعراً؛ فشربتُ مرة ثانية بعد أربع سنوات؛ لأكتب كالشعراء من غير وعي، وبالفعل، كتبتُ قصيدةً أذكر أنّ اسمها كان "حُب"،  وما زلتُ أحتفظُ بها حتّى اليوم.

سألت المذيعة ضاحكة: وزميلتك؟

أجاب الشاعر الكبير: كنتُ أحبّها، كنتُ أعشق وجهها الدقيق وحركاتها الرقيقة، بالمناسبة لقد كانت تكبرني بخمس سنوات، ولم أفكّر يوماً فيها بشكل غير لائق؛ لأنني لم أكن ناضجاً بعد، لقد تبعتُها ولم أدرِ إلى أين.

قال محرّرُ الصفحة الأدبيّة في المجلّة المشهورة: سيكون خبرُ وفاة الشاعر الكبير الخبرَ الأبرزَ اليوم، لن تسبقنا إليه أيّة مجلّة أو جريدة، أخرِجوا بعض القصائد من الأرشيف، سأنتقي واحدة.

قال طالب الدراسات العليا: يا أستاذي أرجوك، انتقِ لي شاعراً آخر أكتب عنه أطروحتي، هذا شاعر صعب ومعقّد؛ أمضى حياته يحلمُ ويبحثُ عن أشياءَ لا وجود لها، ومات على أرجوحة في حديقة أطفال.

ما رأيك أن أكتب عن...

أرشيف فلسطين الشباب