شيءٌ ما.. كالرماد
أيمن حسونة

لن تقتلك السيجارة الأخيرة، ولا طرف الرغيف المتعفن، ولا الحشرة التي حطّت على عنقك.

لن تقتلك السيارة المسرعة التي يقودها شابٌ تركته صديقته قبل قليل. ولن تموت في حادث طائرة حديثة قرر مسؤولو الشركة أن لا يشتروا أحدث نظام تحكم فلم يستطع الكابتن السيطرة على إقلاعها، فهبطت على "بوزها" وتحطمت.

 

الجرعة الزائدة التي وصفها الطبيب، لم تلتزم بها، لأنك تعتقد بأن الطبيب الصغير الذي فيك، أفهم و أعلم منه. الكثير من القهوة لا يعني أنك ستصحو لثلاثة أيام متواصلة، حبّة "الكبت" تقوم بذلك.

..

بخطواتٍ قصيرة ومتقاربة دخلت المقهى، مكاني المعتاد على يسار المدخل، قربي مقعدٌ فارغ، أخذتها المسافة من الباب إليه حوالي 4 دقائق، علماً بأنها حوالي 3 متر فقط. سرعتها تقريباً متر وربع في الدقيقة، على قدميها تسير، وتتكئ على عصا لها ثلاثة أقدام، إذاً المجموع خمسة أقدام تمشي ببطئ قربي. حاولت الجلوس مباشرة، لم تستطع، ساعدتها إبنتها، جلست، نظرت نحوي وإبتسمت، سألتني؛ Can you guess how old am I?، أربكني السؤال، الجواب الأول الذي خطر بذهني I assume over a hundred years، لكني تذكرت القاعدة الذهبية التي تقول : إن ٍسألتك إمراة عن عمرها، فحاول أن تطرح 20 عاماً من أي عمر متوقع ثم أجب عن السؤال. لم أعطِ العجوز رقماً، لكنني أجبتها: I am sure you are older than me، ضَحِكَتْ.

أجابتني إبنتها: She is 99 years old, and she never visited a doctor.

لم تفاجئني إجابتها قدر ما صدمتني المعلومة التي قالتها بعدها؛ She is an active member in the over 90’s community.

صرتُ أخجل من الأعوام الخمسة والثلاثين التي أستخدمها حين أريد أن اهرب من نشاط ما..

وآه، نسيت شيئاً عن العجوز، تُمارس اليوغا بشكل يومي.

..

غادرنا المدينة التي ولدنا فيها، هكذا، قررنا أن نترك كل شيء ونرحل. الدموع التي سحلت قبل إقلاع الطائرة بقليل، صرنا نضحك عليها اليوم. كانَ يوماً غريباً، داخل قاعة المدخنين في المطار، لم نُكمل سجائرنا، انطفأت دون أن نسحب منها نفساً واحداً. وصلنا، إلى هذه القارة البعيدة، الباردة، تذكرنا أن تلك السيجارة التي إنطفأت وحدها، كانت ومضة ضوء أنارَ لنا الطريق.

..

هُنا، العُمر مجرد خدعة، خدعة حقيقية.

في ذات المقهى الذي إلتقيت به تلك العجوز، ألتقي يومياً بجيلٍ كاملٍ عاش الحربين، الموت المبكر من نصيبنا نحن في تلك المنطقة المنكوبة من العالم، لم أسمع خلال هذا العام إلاّ عن شخصٍ أو إثنين ماتوا في الأربعينات، فجأة.

وكأن الموت العادي لا يكفينا، فنجرُّ بعضنا لحروب تافهة كل طرفٍ فيها يعتقد أن الله له وحده. لو أنه يتكلم مرّة واحدة فقط ليوقف كل هذا الهراء الذي نعيشه، فقط، لمرّة واحدة.

..

تقص شريط الإفتتاح، تُطلق سهماً لتُشعل ما انطفى فيك من لهفةٍ لغدٍ جديد. هكذا يبدأ يومك، عاديٌ رتيب. السيجارة التي تعتقد أنها الأخيرة، لن تكون. يأخذك العمر وقتاً طويلاً، إن وجدته، لتقتنع أن رماد السجائر إن جمّعته كله، لن يبني لك شيئاً، وعند أول قطرة مطر، سيذوب، مثله، مثل أي شيء، وكل شيء.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.