في محطة رأس السنة!
اّية الزير

لا أدري لما أجدني.. لستُ ممن يجد من هذه المناسبة ما يُكتَب عنه أو فيه

، في كلِ عامٍ أَجدني أتربع في ذاتِ الهالة، ولا زلتُ على شخصي القديم لا أرى من ذلك مناسبةً نخوضُ فيها!

 

قد يتبادرُ إلى الذهن في سياقِ الحديثِ بأنّني ممن يضخمُ الأنا الخاصة به، ولكنني لستُ ممن يقيسُ سرعةَ الناسِ وأعمالهم بناءً على سرعته ورؤيته؛ منهم يركضون ويلهثون، ومنهم بطيؤون تارةً أخرى، ومقياسُ السرعة هو سرعتهم وليس عدادُ سياراتهم.

 

فنحن حتماً وإن أردنا أن نجلس مع أنفسنا جلسة مصارحة لنحكم علينا من خلالنا أولاً، بدايةً سننسى الثلاثةَ أرباع الأولى من عامنا المنصرم، فهي غدت خلف الذاكرةِ، ولا نتذكر منها شيئاً رغم اجهادنا لعقولنا في محاولةٍ أولى وثانية وثالثة أسفرت عن نتيجةِ الصفر في كل مرة، عن نفسي أجدُني اعتزلتُ هذا الدورَ فليس هناك ما يرغمني على تسجيلِ صفرٍ رابع يتخلله حزنٌ رابع أيضا!

 

يتبقى الربعُ الأخيرُ من السنةِ وهو ما يطغى على الذاكرة، ليس لأنه الربعُ الأخير ولستُ أنا من يصنفه على ذلك المنوال، فهو بما تركه من ندباتٍ في قلوبنا وأرواحنا وأيامنا جعلنا لا نتذكر سواه.

ففي عامنا المنصرم قُطّعَت البشر إلى أجزاءٍ بمناشير، وفيه خرج الكثيرون ولم يعودوا بعد،  فيه كثرت العملياتُ والفواجعُ والأزماتُ والاعتقالاتُ والتفجيرات، فيه ودّعنا الكثيرين أسرى وأسيراتٍ وسجناءَ ومعتقلين  ومعتقلات، فيه شيّعنا جثامينَ شهدائِنا في زاوية، واحتفلنا بصورهم تزيّن أشجارَ رأس السنة في زاوية تُطرَق بها الكؤوس على أضواءٍ خافتة، احتفلنا بأعيادِ اليهودِ وخرافاتِهم وعطلنا تحركاتنا معهم، في عامنا المنصرم كبرنا سنيناً وفرحنا سنيناً وبكينا سنيناً أخرى قبل مجيئها.

في عامنا المنصرم تمنينا لعامنا الجديد أن يكونَ كما لا يشبه الذي مضى في شيء، في تلك اللحظةِ تحديدا ً نسينا أن نتمنى أن يبدلنا الله قلوباً وأنفساً لا تشبهنا أو يبدّلنا بقومٍ خيراً منّا.

 

في ذلك العام صرتُ أتعلمُ ممن هم دوني كي أستطيعَ العيش معهم، صرتُ أقفُ حائراً بعيداً يخافُ الاقترابَ فيذوبَ في تياراتِ الفوضى والجهل، صرتُ أمرُّ على الكثيرِ من المصطلحاتِ وأهزأُ بوجودها وبمن أوجدها، فهاك مثلاً ما يسمونه "تأليل الانسان " نحن البشرُ نعرّفُ ذلك بأنّ الإنسانَ تحول إلى آلةٍ لكثرةِ تعامله مع الآلات كون عصرُنا عصرَ الآلةِ وتعاملاتنا واحتياجاتنا تستوجب ذلك، من صنع الآلة؟ ومن أللَّ الانسان؟ ومن أوجب على الانسان أن يتألل أصلاً حتى صار يسمى تأليلا؟ فهنا تجدُ الانسانَ السببَ والمسببَ والنتيجة، المتعجبَ والمستغربَ والمغتربَ عن ذاته،  في ذات الوقت هو نفسه  المجادلُ والمثيرُ للجدل!

 

 

 

في عامي المنصرم كنتُ ألاحظُ تارةً بأننا نضيّعُ المستقبلَ في سبيلِ الوصولِ للمستقبل، وكأنّنا نرى المستقبلَ بعيداً عنّا محاطاً باطاراتٍ حمراءَ وما إن وصلناه سنكون وصلنا؟ وسؤالي في سياقِ ذلك أين نحنُ الآن؟ ولمن يرى المستقبلَ كما وصفتُه مسبقا كم تبقى لنا كي نصل؟ نضيّعُ مستقبلنا ونكتمُ أفراحنا أو نفرحُ بصمتٍ فأمامنا المستقبل ولا وقتَ لدينا للأفراح والأحزان الآن.

 

أدركتُ أيضاً بأنّ كلَّ شيءٍ يستوجبُ السرعة، وكل شيءٍ هو قرارٌ في ذاتِ الوقتِ، وإن لم يكن الموضوعُ صائباً غالباً، ولكن تدّبر الأمر فلا مفرّ ولا مناصَ من ذلك، عليك أيضاً أن تعلم بأن أقوالَ الإنسانِ سيأتي عليها يوماً تُرَى؛ فقد تراه ملاكاً صادقاً او بائعاً للخردةِ يبيعُ ويبيعُ في كل مكانٍ أُذنَ له بذلك أو لم يُؤذن.

ستعلمُ بأنّ الحب والكره في المحكات وعلى المفترقات لا تباع بل تُكتشف، ستكتشفُ بأنّه ليس كل من قابلته في عامك الماضي يستحقُ العبور معك وفيك وبحضرتك لعامك الجديد، رغم أنّ القلوبَ مغاليقُها ومفاتيحُها وعلمُها بيدِ الخالق.

 

في عامك الجديد للمرة الأولى سأقول لك: آمن بخرافة الأعوام الجديدة وتغييراتها السحرية،  ليس لأنها أعوامٌ جديدةٌ ولكن استغل أكاذيبنا لصالحك وحاول التعايش معها، وكما ذكرتُ سابقاً تعلم ممن هم دونك كي تستطيعَ التعايشَ معهم، ولكن لا تكن من فئة الذي لا يعرف ما يريد ولا يريد أن يعرف.

 

وإن أردت أن أتمنى لنا شيئاً جميعاً في نهاية هذا العام، فكل الذي أتمناه هو أن نجدَ أنفسنا ونعرف أنفسنا عن قرب، فلو أننا عرفناها حقاً لما احتجنا أن نقفَ في محطةِ رأسِ السنة نحاولُ التعرفَ عليها!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.