قناديل الندم
أحلام نعيم

أحب متابعة قناة ناشوال جيوغرافيك

فيها الكثير من المشاهد الإنسانية التي تصدر من الحيوانات وأحياناً الكواسر

، لتظُن لوهلة أن تلك الكائنات بشرية وليست حيوانية. وفي هذا عزاء لشيء ما.

 

فيما يقطن الكائن البشري في عمارات شاهقة في مدن، ينشغل فيها بالتفكير كيف سيصنع من فريستهِ صورة الوحش، وإن لم يستطع، فإنه سيحاول بالحد الأدنى أن يوهمها بذلك، ليُبرر أذيّته، ويجد سبباً يُفسّر به المغارات التي حفرتها أنيابهُ في نظرتها الأخيرة.

للوحوش لغة الهجوم ولغة الإنسحاب

ذاك الإنسحاب المجّاني الذي لا يحمل معه ثمن كَفن يلُفُ به الأسماء، أو عصا يسند بها الظلال المكسورة

ذاك الإنسحاب الذي يُعرِّفُ الإنهدام بالإنهدام.. ليصير -حين يُعتَرفُ بهويته- تلّةً، لا دمامِل قَيحُها النُكران

ذاك الإنسحاب الذي لا ينتمي الى"المجازر اللّبقة"، تلك التي تقطّع أوصالك بالشوكة والسكين، بينما تُناقش ضرورة تشريحك دون تخدير لمعرفة أية جرثومة تلك التي أصابت روحك بعَطَب السؤال

روحك التي ستستجيب للألم

وهو الإنسحاب الذي سيستجيب كزنبقة جفّت في كتاب

سيعرفونها من رائحة الورد فيها لا من لون دمها

فلا تموت الأسئلةُ قتيلةً.. بل كالشهداء

ذاك الإنسحاب الذي يحسد تلك المرأة القادرة على مُراسلة عشيقها من حسابها "الواتس آب" الذي تضع فيه صورتها مع زوجها تحتضنه في الحديقة كصورةٍ شخصية. ذاك الإنسحاب الذي لا يحسدها على الخيانة، بل على قدرتها على "الترتيب".. ترتيب أحشائها في الخزانة كما تُرتب المفكّات والمسامير الصدئة في صندوق أزرق نظيف لا غُبار عليه. بحيث لا يُبالي الصندوق بصدأ محتواه.. ولا يُزعجُ المساميرَ لونُ البحر في بشرة الصندوق.. وطهارة الملح في مجازه.

 

ذاك الإنسحاب..الذي ينتمي للصرخة الصامتة.. التي تخرج على رؤوس أصابعها، ليس خوفاً من شيءٍ ما والجزعُ فيها أصيل لا زيادة عليه.. إنما كي تُقلل من المساحة التي ستلمسها قدماها بينما تخرُج من أرض تلك الغابات المُعبَّدة بالإسفلت واللُّعاب.

 

إن كان لا بُد من غابة.. فلتكن أرضُها من تراب

وإن كان لا بُد "غرفة الغاز" .. فلتكُن بفعلِ الوِحدة لا من نديم

وإن كان لا بُد من انتهاك.. فليكُن باسم الجشع لا باسم الحُب

أما بشأن المغارات التي صارت في جسد الأيام كندوبٍ بفعل الأنياب.. لن أردمها

سأنصب فيها شموعاً

واجعلها من الندمِ قناديل

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.