لا أمَّ لي ولا كوليت بعد اليوم
سناء عون

أخطأتِ الوجهة يا صديقتي، الرحلة لم تكن باتجاه الله، كان من المفروض أن تكون إلى النرويج، إليّ تحديدًا.

كنا نخطط أن نودع عام 2018 المليء بالخيبات معًا. كنا نفكر بتزيين شجرة الميلاد واستقبال عام جديد معًا.

 

" الموت سهل، الحياة هي المعضّلة" هذه كلماتك فلماذا غيرّتِ عاداتكِ واخترتِ الطريق السهل؟

منذ قررنا أن وجهتك القادمة إليّ ونحن نتحدث يوميًا، كنت تتصلين لتسأليني أسئلة تضحكني: هل هناك بهارات في النرويج؟ سأجلب بهاراتي الخاصة. كيف أنقل مطبخي معي فأنا أحب أدوات الطعام خاصتي، وقد اشتريتها بمزاج شاعرة مغرمة بالطبخ والطعام؟ كيف أنقل لوحاتي وكتبي التي أحب؟ لن أتركها هنا. لا أحب الحرّ لكني لا أطيق البرد أيضًا، وأشعر ببرد شديد في هذه الأيام فكيف هي الحياة هناك؟ هل ثياب عمان تناسب تلك البلاد الباردة؟ تتابعين غير مكترثة بردّي: تعالي أنت فقط، فكل شيء موجود بالنرويج إلا كوليت أبو حسين.

من يومها بدأتِ بتوزيع بعض الأشياء في بيتك. وزعتِ طعام المؤونة في الثلاجة وأدوات المطبخ التي تحبين. بدأت تحضرين حقيبة السفر متخففة من كل ما أُغرمتِ به.

لم يخطر لي حينها أنك بدأتِ التحضير لرحلتك الأخيرة، وذلك لم يكن إلا بشهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي فقط، أي قبل دخولك المستشفى بأيام.

بفرح الأطفال كنتِ تقومين بذلك فلما قطعتي الخيط بيديك هذه المرة؟

"كلما تعلقت بشيء يربطني بالحياة انقطع الخيط"

عندما سمعت صوتك وأنت بالمستشفى، أدركت أنك أخذت قرار الموت ولكني كنت أكذب حدسي. حاولت بكل ما أستطيع أن أبعد شبح الموت عنكِ، بالكلمات، بالحب، بالدلال الذي تعشقين. لكني فشلت أمام قرارك الذي لم أعرف له سبب إلا الخذلان من هذا العالم.

ذهبت إلى الموت بكل إرادتكِ إذًا، وهذا ما ستفعله امرأة مثلك عندما تضيق عليها الحياة.

"لم يعرف أحد، لم يخطر ببال أحد أن الحياة فقط كانت ضيقة عليها، فاختنقت".

لدي ما يكفي من الوقت الآن لأعيد الحكاية من البداية، منذ التقينا بعمان لأول مرة. حدث هذا منذ زمن بعيد، فأنا لم أعرفك عام 2009 فقط، بالتأكيد كنا نعرف بعضنا قبل هذا بكثير. التقينا إذًا.. ومن اللحظات الأولى أصبحنا صديقتين. هناك صداقة من أول نظرة كما الحب تمامًا. فأنت لا تعرف لماذا هو صديقك بقدر ما تدرك أنه خيار القلب الذي لا يخطئ أحيانًا. كوليت لم تكن خيار قلبي فقط، بل كانت بها كل السمات التي تجعل منها صديقة وللأبد. عاشقة للحياة بطريقة مربكة، شاعرة حرة، مجنونة، لا تخجل من كلماتها البذيئة التي تطلقها في وجه العالم بكل حب، وفية لأصدقائها، ولعلي لا أخطئ إذا أقول أن الحب هو من قتل كوليت.

"إلى فرجينيا وولف

لا حجارة في معطفي

ولا نهر قريب

قلبي مثقل بهم

من أحبهم

وهذا يغرقني بكل هذه التعاسة"

لعل كوليت التي بتكرار الخيبات بمن أحبت من أصدقاء، أرادت العودة إلى جوف الأم بحبل سرّي لن يخونها يومًا، فحب الأم هو الحب الحقيقي الدائم والثابت والذي لن يتبدل يومًا فقررت الالتحاق بأمها. أتذكر يوم وفاة أمي وبينما أشكو لها اليتم والانكسار، هي الوحيدة التي قالت لي: لن أكذب عليكِ، فهذا أول الغيث والحياة ستزداد صعوبة في الأيام القادمة وأنت بدون أم.

"أيها الموتى تعالوا

فالأحياء قد خذلوني"

وبما أن الموتى لا يعودون فلنذهب إليهم بأقدامنا.

"أصرخ أمي..

فيردّ الموت: نعم!

أسأله:

الدودة التي قضمت قلب أمي..

هلّ أحبّتني مثلها؟

يعض الموت على أنيابه

ونغرق كلانا في السّواد!"

كانت عمان تعني لي كوليت أبو حسين، فلا شيء لي فيها غير تلك الشاعرة الصديقة التي أحبّ، ولا بيت لي فيها إلا ذلك البيت في جبل عمان مقابل شومان. ذلك البيت الذي لم يكن بيت فقط، إنه "دار كاف" للنشر.

أتذكر الآن كيف ردتْ كوليت على اعتراضي على تسمية الدار: كاف كلمة، كاف كتاب، كاف كوليت.

سحبت اعتراضي يومها سريعًا ووافقت مقتنعة أن دار نشرك لن تكن إلا دار "كاف".

لا عمان بعد اليوم أيضًا.

عندما أخبرني خالد أنك دخلتِ في الغيبوبة، لم أعرف ماذا أفعل؟ رحت أفكر بمد جسر من الكلمات بطول 5224 كم، التي هي المسافة بيننا، وأبدأ بسرد حكايتنا. بيننا الكثير من القصص التي لن تموت وإن خذلتنا ورحلتِ فنحن سنحلق باتجاهكِ ونكتب كل ما لم يكتب، وأنا متأكدة أنكِ ستسمعيننا من هناك في سمائك وستعلقين ضاحكة على قصصنا وخيباتنا تلك.

في هذا العيد سأطلبك من بابا نويل الذي تعرفين أنه وأقزامه الذين يساعدونه بلف الهدايا، لا يرجعون الموتى، لكنه سيوصل رسالتي إليك: بأني أطلبكِ في هذا العيد.

أو لعلي بأقسى ما يمكن للمرء أن يتمنى، أصدق كلامك حين قلتِ:

"ألعن هذا العالم في سرّي

وأمثل أني متّ

كي تمضي الساعات فقط!"

سأصدق، كي تمضي الساعات فقط، حتى نلتقي.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.