عن تحرير الأرض والإنسان
عن تحرير الأرض والإنسان

قبل أن تحدث المعجزة، وأكتشف الحقيقة التي يرفضها أو يتناساها الآن البعض، كنا في تلك الأيام

التي لا

 

تنسى نحرس طوال الليل "صف التعليم الشعبي" كانت بحوزتنا أسلحة خفيفة، حجارة، بضع زجاجات حارقة، وهراوي.

 

رفض وجهاء الحي وأصحاب الرأي أمراً صادراً عن حكومة الاحتلال الصهيوني يقضي بإزالة صف التعليم الشعبي وملاحقة مريديه، كانت لدينا هواجس ليلية بأن الاحتلال سيداهم حيّنا ليلاً. كنت أفكر حينها، أن هذه القضية معركتي، ربما تنشب المعركة في أي لحظة. ربما أفقد حياتي من أجل الصف المدرسي وما يمثله من رفض للخنوع ومواجهة مباشرة لسياسة التجهيل، هاجس دائم لجيل ترعرع ونشأ في زمن الاشتباك في فترة الانتفاضة الشعبية عام ١٩٨٧.

قال أخي إنها معركة رمزية مصيرية من أجل مستقبل الحي، وما يمثله من مواجهة حضارية ووجودية في وجه آلة البطش والتنكيل الصهيوني .

طبعاً هنالك عشرات الروايات عن قصة "الصف الشعبي" لكن ربما ما كان أخي يرويه هو أكثر الروايات قرباً إلى الحقيقة، فصيغة الواقعية في حكاية أخي كانت تضاعف من إجلالي لنضال شعبنا في الأرض المحتلة، وتظهر طيبة وذكاء وكرم هذا الشعب النبيل.

ربما من الأفضل أن أعيد اليكم بإيجاز حكاية أخي، كان يقول بهدوء وثبات:

شكّلت الانتفاضة الفلسطينية نموذجاً للتلاحم الشعبي، والفعل النضالي، كما عبر عنها من خلال القيادة الوطنية الفلسطينية (ق.و.م)  التي تشكلت  بعد أيام من بداية الفعل الانتفاضي، تلك القيادة التي رعت ووجَّهت شكل النضال اليومي والفعل الشعبي من خلال إصدار نداءات وبيانات دورية، شكلت توجهاتها حجر الأساس في بناء الوعي الجمعي.

لا أحد يعرف من أين ظهر الشبان المتطوعين في الصف الشعبي المدرسي، كانوا شباناً بنفس العمر، متشابهين في بذلهم وعطائهم اليومي.

ظن أهالي الحي أنهم من تلك الأحياء الغنية البعيدة، يحمل كل منهم حقيبة ظهر، كانوا يرتدون ملابس أنيقة تنم عن ثراء مهذب. أشد ما لفت انتباه أهالي الحي فيهم التغيير الدائم للشبان الوافدين إلى ذلك الصف. كان حي "الواد" من أشد أحياء المدينة بؤساً، مجتمع فسيفسائي متنوع الأعراق، أهالي المدينة هم من أطلقوا اسم "الباطنية" ( حي الحشاشين)  على حي يسكنه شباب أصحاب ملفات جنائية، يتناولون المخدرات ويتاجرون بها في وضح النهار، حيث لا يخلو زقاق من  اصطفاف لشبان يقومون إما بالشراء أو البيع.

لم تكن هي المرة الأولى التي شاهد فيها أهالي الحي زواراً من أصناف البشر ولكن الزائرين الجدد مختلفون. كان الشبان يقطعون في كل صباح أزقة الحي باتجاه النادي الأفريقي، بعضهم قادم من اتجاه النزل النمساوي "الهوسبيس" والبعض الآخر من اتجاه عقبة التكية (عقبة خاصكي  سلطان).

كان الشبان يبتسمون لأطفال الحي بمودة وحنان، ويحيّوون الكبار بهزة خفيفة من الرأس تنم عن الاحترام، كانوا يسبرون الطريق بتواضع وبساطة، لم يبد أي منهم تقززاً أو تكبراً لحال الحي الذي تبدو عليه مظاهر الإهمال.

وقد اعتبرهم أهالي الحي ملائكة هابطين من السماء، لم يكلمهم أحد، أو يسألهم أي سؤال محرج، أو يعترض طريقهم

أيا كان السبب، كان أهل الحي مبهورين بهالة النور التي كانت تشع منهم، كانوا يسيرون بخطوات متزنة واثقة، وضاعف صمتهم من غموضهم.

كانوا في غاية الأدب وقورين تلفهم مسحة خفيفة من المرح، أحب أهالي الحي الشبان، واعتاد الناس على طلتهم الصباحية البهية، ويوماً بعد يوم ازداد تعلق الناس بهم. وأصبح قدومهم وذهابهم مثل طلوع الشمس وغروبها، كان الأطفال أول من تعلق بهم، كانوا يتجمعون في ساعة مبكرة من الصباح في أطراف الحي، منتظرين ظهور الشبان من تلك الأزقة المعهودة لهم، وحين يصلون تدب السعادة في قلوبهم، يتقافزون حولهم ويضحكون ويمسون بأطراف أصابعهم بوجل طرف ملابسهم.

كانت سعادة الأطفال تتضاعف حين يدعوهم الشبان بأسمائهم  وهم يجاورون خطاهم ويقدمون لهم بعض الحلوى التي جلبوها وإياهم لاستخدامها كوسائل تشجيعية وتحفيزية في الصف الشعبي. ومرت الأيام... (كان أخي يطلق حسرة عميقة وهو يمد حرف الألف في كلمة الأيام).

الصف الشعبي الذي بدأ قوامه ببضعة أطفال زاد بشكل مضطرد بعد تدفق أطفال الحي والأحياء المجاورة، الأمهات والفتيات شكلن لجنة للمرأة  مهمتهن الحفاظ على السلم الاجتماعي، إضافة إلى مهمات تباينت بين الفعل المقاوم ونشاطات الغذاء المنزلي.

الفتيان بدورهن أنشأن مزرعة صغيرة للدواجن في أحد اليواخير القديمة يتناوبن على مهمات رعايتها وإيجاد حلول لإخفائها في حال قامت قوات الاحتلال بمداهمة الحي، وهذا ما كان يحدث بشكل يومي مما يستدعي أخذ الحيطة والحذر بشكل دائم، وأعلى أحد أسطح الحي جرى تهيئة بستان  منزلي وزراعته بالخضروات  ومستلزمات استمرار نهج التكافل والتكامل الذاتي.

كل تلك المبادرات الشعبية المتنوعة  بين التعليم والزراعة وتنظيف الآبار والشوارع وتربية الدواجن، رافقها برنامج تثقيفي توعوي  في النادي الأفريقي لكل الأعمار والفئات، رغماً عن حملات الاعتقال والملاحقة المستمرة للشبان  وإغلاق الحي وفرض تفتيش شبه يومي  للمنازل من قبل أجهزة الأمن الصهيوني.

بعد عام لا أكثر من ظهور الشبان، تحققت الأمنيات، مثلما تتحقق المعجزات في الأساطير والحكايات.

 

إلى أن جاء البيان على لسان  مذيع  إذاعة القدس التي كانت تصدر حينها من لبنان:

أهلنا في الأرض المحتلة

شعبنا الفلسطيني البطل

بيان صادر عن القيادة الفلسطينية في الخارج

ندعوكم لوقف العصيان المدني.

خيم الصمت… موجة من البرودة سطت على المكان… كسر صوت المذيع الصمت بكلمات:

لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة

معكم إذاعة القدس

معاً على طريق تحرير الأرض والإنسان.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.