قالوا عن الثقافة
هانيا عسود

ما يزال الجدل قائماً -على مرّ التاريخ وحتى يومنا هذا- بين الفلاسفة والعلماء حول بعض العناصر الجوهرية

، تلك التي تُشكل أو تعتبر أصول تطور الثقافات، أو المرتبطة بأثر الثقافة على الفرد والشعوب. يبدو هذا واضحاً من خلال التعريفات المرفقة لمعنى أو ماهية "الثقافة"، وبرغم وجود العديد من التشابهات والتقاطعات، وهو أمرٌ طبيعي في حال البحث والحديث عن مفهوم معقد ومتشابك لارتباطه المباشر بنفسية وعقلية الأفراد كما الجماعات، ولتأثره وتأثيره على العديد من العوامل المعقدة والمتشابكة حولنا، الحالية والتاريخية أيضاً.

 

 

"الثقافة هي ذلك الكل المعقد والذي يشمل المعرفة، والعقيدة، والفن، والأخلاق، والقانون، والتقاليد والأعراف، وأي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع."  تايلر - (1870, Tyler)

 

كلايد كلاكوهون طرح عدداً من المعاني المحتملة للثقافة والتي عرضها في كتاب "مرآة الإنسان" )1947 ,Clyde Kluckhohn):

الطريقة الإجمالية لحياة الناس

الإرث الاجتماعي الذي يكتسبه الفرد من مجموعته

طريقة ما للتفكير والشعور والاعتقاد

وجهة نظر حول سلوك ما

نظرية أوردها علماء في "علم الإنسان" حول الطريقة التي يتصرف بها مجموعة أو مجتمع ما

مخزن للتعلّم الجماعي

مجموعة من التحاليل والتفسيرات الموحدة لمشاكل متكررة

سلوك مكتسب

آلية لتنظيم السلوك بناء على معايير محددة

مجموعة من التقنيات لضبط كل من البيئة الخارجية والناس الآخرين

صياغة مبكرة للتاريخ

خارطة سلوكية؛ أو مصفوفة

 

"تتكون الثقافة من الأنماط، المباشرة/الصريحة والضمنية، للسلوكيات المكتسبة والتي تنتقل عبر رموز؛ هذه الرموز تشكل الإنجازات المتميزة للجماعات البشرية، بما في ذلك ما تم تجسيده في الأعمال الفنية. النواة الأساسية للثقافة تتكون من الأفكار التقليدية (أي المتناقلة تاريخياً والمختارة) وعلى وجه الخصوص من القيم التي ترافق هذه الأفكار.  أما النظم الثقافية، فيمكن اعتبارها نتاج الأفعال، من ناحية، ومن ناحية أخرى، العناصر الشرطية لأفعال مستقبلية" كلاكهون وكرويبر (Kluckhohn & Kroeber, 1952)

 

"الثقافة هي الإضافة التي يسهم بها الناس في عالم لم يصنعوه، إنها نتاج البشر، ولجهودهم في التشكيل وإعادة التشكيل لما يصنعونه. ثم إنها المعنى الروحي لما يسود من علاقة بين الناس.  وهناك الدور الإنساني في الثقافة، باعتبارها اكتساباً منظماً للخبرة الإنسانية وتمثلها المبدع وليس مجرد تخزين للمعلومات.. باختصار فإن الثقافة تعني دور الإنسان كفاعل في العالم ومع العالم. الثقافة اكتساب منظم للخبرة" باولو فريري (1969,Paulo Freire).

 

"الثقافة هي نســـيج المعنى / المعاني التي من خلالها يقوم البشـر بترجمة تجاربهم وتوجيه أفعالهم... هي منظومة المعتنقات، والرموز التعبيرية، والقيم التي من خلالها يعرّف البشر مفرداتهم" كليفورد جيرتز (1973,Clifford Geertz )

 

"تتكون الثقافة من تبعيات الخبرة، منظمة بشكل ما، اكتسبت أو تطورت من قبل أفراد مجتمع معين، بما في ذلك تلك الصور أو الرموز وتفسيراتها (المعاني) تلك التي نقلت من الأجيال السابقة، أو من الأفراد الحاليين، أو تشكلت من قبل الأفراد أنفسهم" تي شوارتز (T.Schwartz, 1992)

 

"الثقافة هي البرمجة الجماعية للعقل الذي يميز أفراد مجتمع ما أو فئة من الناس عن أي آخر" هوفستيد (1994,Hofstede )

 

"الثقافة هي مجموعة من المواقف والقيم والمعتقدات والسلوكيات المشتركة من قبل مجموعة من الناس، ولكنها تختلف بالنسبة لكل فرد، وتتناقل من جيل إلى جيل" ماتسوموتو (1996,Matsumoto )

 

"الثقافة هي مجموعة من الفرضيات الأساسية الغامضة، هي القيم، توجهات في الحياة، معتقدات، سياسات، إجراءات واتفاقيات سلوكية يتشارك بها مجموعة من الناس، والتي تؤثر (لكن لا تحدد بالضرورة) على سلوك كل فرد وعلى تفسيراته (لمعنى) لسلوك الآخرين. سبنسر أوتلي (Spencer-Oatey, 2008)

 

"الثقافة هي مجموعة القيم العامة التي تلهم سلوك الجماعة وممارستها الفكرية والسياسية والاقتصادية على مجمل البنية الاجتماعية." برهان غليون (2012)

في تعريف المفهوم وحيث ارتباطات التعريفات بالمدارس الفلسفية والعملية المتعددة، فإن هنالك حق لكل إنسان باختيار التعريف الذي يرتأيه الأقرب لرأيه وفلسفته وتجربته.  لكن لا بد من التوضيح إلى أن بعض التفاصيل التي تأتي في التعريفات -وبالتالي الخصائص ذات العلاقة– قادرة على إحداث إشكاليات تنعكس بشكل واضح علينا كأفراد؛ على وعينا وفهمنا وبالتالي مواقفنا وممارساتنا تجاه الثقافات المختلفة؛ تلك التي تخصنا بشكل مباشرة أو ثقافات أخرى نتعرض لها خلال حياتنا.

 

بعض النقاط والخصائص الخاصة بالثقافة والتي تستحق التوضيح:

 

الثقافة ليست قوة غيبية أو شيء يمكن أن يُنسب إليه - ببساطة وسطحية - أمور فردية أو مجتمعية مثل أحداث، سلوكيات، نظم وهياكل، أو مسارات. الثقافة هي مضمون وسياق؛ هي شيء يمكن من خلاله تقديم وصف شمولي وعميق لكل ذلك وأكثر.

 

الثقافة هي شيء يشترك به على الأقل شخصين أو أكثر.  لا يوجد شيء إسمه "ثقافة الفرد الواحد" فسلوكيات وأفكار الأفراد لا يمكن اعتبارها "ثقافة" وإنما "خصائص شخصية"  وعليه، ينبغي التمييز بين الثقافة والطبيعة البشرية، وكذلك بينها وبين شخصية الفرد؛ برغم ضبابية الحدود في الكثير من الأحيان، وهذا هو أحد أهم الاختلافات بين علماء الاجتماع.

 

ليس المقصد الأساسي من "الثقافة" هنا هو الحالة التقيمية لأفراد أو مجموعات من الناس (بمعنى "المثقفين").  حيث أنه غالباً ما يرتبط تفسير الثقافة بمصطلحات ومفاهيم مثل الشخص المتحضر، وصاحب التعليم العالي، والمثقف، والفنان، والتي تترافق مع نتائج هذا التنقيح للمجتمع مثل: الفن والأدب والموسيقى، إلخ.  فالثقافة بمفهومها العام ليست حكراً على مجموعة معينة من البشر وإنما تتعلق بمجتمعات بأكملها.

 

"الثقافة هي صرخة البشر في وجه مصيرهم" ألبير كامو

 

الثقافة هي صفة مكتسبة ولا تورث عبر الجينات؛ مستمدة من بيئة اجتماعية واحدة، ليس من جينات واحدة.  لكن عبر التاريخ، كثيراً ما تم عمل ربط مباشر ما بين السمات الثقافية العامة وفكرة السمات الوراثية للشعوب (لصعوبة تبرير وشرح الاستقرار الملحوظ في الأنماط الثقافية للجماعات البشرية) وبالتالي فإن المبالغة في ربط عامل الوراثة والمتمثل - بالعرق أو اللون - في توصيف ثقافة مجموعة أو مجتمع هي أهم ما يمكن أن يعزز ويبرر الصراع العرقي بحجج لا أساس لها من التفوق الثقافي أو الدونية.

 

الثقافة صفة يتم تعلّمها وتعليمها. لكن اعتبار أصالة ثقافة أي شخص تعتمد على تعرضه لعمليات التعلم هذه منذ الولادة وبدءاً من المراحل الأولى لتشكل وعيه الإنساني.  ويمكن لآخرين أن يتعلموا ثقافة مجتمع ما ولكن يعتمد ذلك على الكثير من الوقت والبحث والإنخراط.  ولقد حاجج أغلب الفلاسفة وعلماء الإنسان (الأنثروبولوجيا) وعلماء الإجتماع والنفس (السيكولوجيا) لا يمكن لأحد أن يستطيع فهم ثقافة مجتمع (غير مجتمعه) بنفس القدر الذي يمكن لأي فرد من المجتمع ذاته أن يفهمها (أعضاء المجتمع الأصليين).  وفي حال وصول البعض إلى درجات قريبة جداً من الفهم والإلمام بثقافة أخرى، لا يمكن إلا اعتباره فهم بمستوى ثاني أو ثالث أو رابع ولا يمكن له أن يكون متكاملاً.

 

ثقافة المجموعات والمجتمعات لا تتمثل فقط في المواقف والقيم والمعتقدات والسلوكيات، التي بتوافق الآراء، تشكل ثقافتهم بشكل عام.  لأن داخل هذا المشترك الكبير، يوجد الكثير من الاختلافات. ويمكن ملاحظة الفروق الفردية في الثقافة بين الناس بناء على درجة تبنيهم وانخراطهم في تفصيليات الثقافة العامة (المشترك الكبير).  وفي حين أن البعض يعتقد بأن "ثقافة المجتمع" يجب أن تكون ملائمة لجميع الناس الذين هم جزءاً منها.  لكن بحسب الطبيعة الإنسانية والظروف البيئية والحياتية فإن "ملائمة" تفاصيل الثقافة تتفاوت من شخص لآخر كما من تجمع بشري لآخر داخل الثقافة الواحدة.  فمن غير المرجح بأن جميع الناس يمكن أن تتشارك في مجموعات متطابقة من المواقف والمعتقدات، إلخ. برغم وجود العديد من التشابهات. وبالتالي فإن عدم الاعتراف بوجود ثقافات متعددة ضمن المجتمع الواحد، يعزز بشكل كبير تشكيل وصيانة القوالب.

 

يمكن للأشخاص أن تنتمي إلى عدد من المجموعات والتصنيفات الإنسانية المختلفة في ذات الوقت. فالناس لا يمكنهم تدارك حمل أكثر من برمجة عقلية / نفسية في دواخلهم والتي تعني حمل عدد من الثقافات التي ترتبط بمستويات عدة؛ مثل: المستوى الوطني (الدولة التي ينتمي إليها أو عاش فيها)، المستوى الإقليمي، المستوى الجندري، الجيل، الدور (أب، إبن، أم، إلخ.)، الطبقة الاجتماعية، المكان الذي يعمل به، إلخ.  وبالتالي من الطبيعي جداً أن يكون الشخص الواحد متعدد الثقافات.

 

البشر لديهم تداخل بيولوجي ويعيشون في أطر اجتماعية وبيئات طبيعية متشابهة إلى حد ما، مما يخلق أوجه شبه كبيرة في الطريقة التي تتشكل فيها الثقافات لكن ذلك لا يكفي أبداً للقيام بعمل المقارنات المباشرة ما بين الثقافات المختلفة. لأن تحليل الثقافة يعني النظر بشكل عميق ومعقد للعديد من التفاصيل المتشابكة.  وبالتالي أية أحكام وتعميمات (ثقافة متخلفة أو غير مهذبة وأخرى متطورة أو أفضل، إلخ) تطلق على ثقافات المجموعات أو الشعوب وأية محاولات لعمل المقارنات، دون القيام بتحليل عميق وحقيقي، تعتبر أحكام ومقارنات غير علمية ومجحفة وسطحية.

 

الثقافة هي دراما الحياة بكافة تفصيلياتها المرئية وغير المرئية.  لهذا فإن القيام بعمل تحليل ثقافي حقيقي لأي مجموعة من البشر يجب أن يشكل النظر بعمق إلى الحياة السياسية والحقائق الاقتصادية -والتي تعتبر محددات حقيقية للبشر أينما كانوا - إضافة إلى الضرورات البيولوجية والفيسيولوجية ذات العلاقة.  ثم هناك ملاحظة السلوكيات العامة والتي تعتبر أحد أهم العناصر التي يتوجب البحث بها بشكل مكثف، ولكن ليس بشكل منفصل -.  فالثقافة تنعكس عبر الأفعال والممارسات والسلوكيات المجتمعية والتي يمكن أن تشمل الأغاني والفنون والتراث وحتى العبادة وغيرها من أشكال التعبير والوعي التي تترجم نمط حياة مستمر وليس منفصل عن الكثير من العناصر الأخرى.  كما وأن هنالك ضرورة لدراسة الكثير من القيم والمفاهيم والتقاليد الخاصة مثل الهوية، العرق، الدين، الأخلاق، الشرف، الأيديولوجيا، السياسة، القبيلة/الأسرة، الحب، العنف، الموت، الوقت، إلخ.، ثم هناك السياقات التاريخية والسياقات الحالية والكثير من التفاصيل الأخرى.  والأهم من ذلك كله هو محاولة وضع هذه الأمور مُجتمِعة في إطار مترابط ومفهوم.

 

الثقافة هي نظام متماسك بتفاصيل متشابكة ومترابطة مما يعني أن أي تغيير في تفصيلية أو جزء ما، ينتج عنه تغيرات مصاحبة في أجزاء أخرى من النظام.  تغيير مكان السكن (انتقال مجموعة من الناس من منطقة زراعة إلى أخرى حضرية) أو دخول ابتكار تكنولوجي جديد (مثل التلفاز، أو الكمبيوتر) إلى مجتمع ما يعني انطلاق سلسلة كاملة من التغييرات ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة في الثقافة السائدة.

 

جميع الثقافات – بشكل طبيعي وتلقائي – لديها الاستعدادية للتغير، وفي نفس الوقت، مقاومة التغيير رغم أن تغير الثقافة هو شيء حتمي ومستمر.  حيث أن جميع المجتمعات تفرز وتعيش بشكل مستمر مسارات ديناميكية متعددة تفرز قوى مختلفة ومتعارضة أحياناً؛ البعض منها منفتح ويعمل ويقبل التغيير (باتجاهات مختلفة) بينما يسعى ويدفع آخرين إلى الاستقرار وعدم التغيير؛ وبالتأكيد هنالك ديناميكيات عديدة ما بين هذه وتلك.  لكن، يرجح العديد من علماء الإنسان والاجتماع إلى أن عدم وجود قوى محافظة ومقاومة للتغير يعني تشكل الفوضى الاجتماعية والنفسية التي تطال الإنسان قبل المجتمعات وبشكل مؤذي.  وبنفس المنطق فإن عدم وجود المرونة والانفتاح للتغيير - بإطار سياق طبيعي منطقي وموضوعي وذات صلة بالمجتمع - ينتج أمراض اجتماعية ونفسية عظيمة من شأنها أن تؤذي الإنسان والمجتمعات لفترات طويلة من الزمن.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.