جاك و روز و أباتشي
يانا شبانة

في الآونة الأخيرة بت أمضي بعض الوقت أتأمل حياتي وقراراتي. من أين بزغت اهتماماتي و مبادئي و حتى صفاتي الشخصية.

كيف انتهى بي المطاف كمحاضرة لغة انجليزية في الجامعة، وأنا التي كنت في مرحلة من حياتي أخاف أن أكبر وأتعلمها لكثرة ما أخافتني الفتيات الأكبر منا عمرا في المدرسة منها. على نحو غريب و بارز لاحظت أنني ما إن فكرت بتحليل بذرة ميزة ما حتى تعود بي ذاكرتي إلى عمر التاسعة. لا أدري أهي الصدفة أم أن تلك المرحلة العمرية تلعب دورا رئيسيا في صقل شخصية الإنسان.

 

المشهد الأول:

قالت أمي ذات ليلة لي و لأختيّ و هي توضب حقائب السفر: لقد كنتن فتيات مهذبات هذا العام و لذا سأصطحبكن معي إلى روسيا لزيارة جدكم وجدتكم.

لقد سافرنا عدة مرات من قبل لكن كانت هذه المرة لا تنسى..

لن أدخل في طقوس درامية مستهلكة لأستعيد شريط ذاكرتي. لا أحتاج إلى أن أتأمل صور قديمة متآكلة الأطراف أو أنظر إلى الأفق المديد سارحة، فالمشاهد تتوالى أمام عيني بجلاء تام و كأنني عايشتها منذ سويعات.

المشهد الثاني:

توقفت سيارة الأجرة أمام مجمع سكني ضخم و حمل الرجال الشنط إلى الدور الثاني. أرى نفسي بسروالي القصير الباذنجانيّ القاتم أركض وراءهم على الدرج...

أذكر أنّي قبّلت جدي و جدتي التي كانت تبكي فرحاً لرؤيتنا و عند تلك النقطة يقطع شريط الفيلم..

أرى في المشهد التالي نفسي أحتسي حساء الملفوف و البنجر بسرعة تسلق حلقي و بؤبؤ عيني يتلاعب بين جفنيّ يتقلب مشدوداً إلى منظر الأشجار اليانعة و الحشائش الخضراء و الورود البرية الغناء التي لم أعتد على رؤيتها تنمو في الطبيعة بهذه الغزارة. أنهيت طعامي في أسرع وقت و أعلنت للجميع أنني سأنزل إلى متنزه الحي حيث تقبع جنتي الصغيرة المنتظرة. جثوت على الأرض لأحكم رباط حذائي البرتقالي الجديد و فكرت في نفسي "ما أبشع لونه!"، إلا أنّي لم أشأ أن أعكر فرحة أمي بلقيا جدتي و قررت أنني أستطيع أن أعكرها لاحقا.

المشهد الرابع:

نزلت السلالم و رائحة الرطوبة الصيفية تملأ أنفي فما فتأ أن انبلج المنظر البديع أمامي ثانية. لأجزاء من الثانية شعرت و كأن خرجت من كتلة جسدي الفيزيائية و تمرغت على العشب و تأرجحت و تزحلقت على الألعاب، إلا أنني كنت لا زلت أقف مكاني خائفة مترددة من لقائي بالأطفال الآخرين الذين بدت رؤوسهم و كأنها سنابل وبرية من الذهب.

تمشيت حول أسوار المتنزه لكن دون أن أدخله. يستحسن أن أتعرف على المكان تدريجيا قبل أن أقدم على أية مغامرة. أثناء مشيي سمعت ورائي صوت جرس دراجة هوائية تارة و صوت قرقرت جنزيرها تارة أخرى. لم ألتفت. لست مستعدة لتكوين الصداقات بعد، إلا أن الوقت طال و بدا الصوت و كأنه يتربص بي و يلاحقني ثم ما لبثت حتى شعرت بنظرات حادة مركزة كعدسة مكبرة تحرق ثقبا في مؤخرة رأسي. أألتفت أم ليس بعد؟

على حين غرة و ببراعة مبهرة انعطفت الدراجة الهوائية قاطعة دربي فبدت لي ملامح راكبها، صبي فضولي يصغرني عمراُ يلبس قلادة صليب ذهبي في عنقه. مسحني صعودا و هبوطا بنظرات حذرة و كأنه قط سنوريّ مفترس يحمي منطقة سيطرته و سألني بنبرته يعلوها الشك:

-         من أنت؟

شعرت و كأنني مجبرة على إجابة أسئلته لتفادي أي مشاكل فأنا الدخيلة هنا.

-         يانا.

-         ماذا تفعلين هنا؟

-         أزور جدتي.

نظر متمحصاً ملامحي العربية التي تصرخ و تتفجر اختلافا عن رؤوس الأطفال الآخرين الذهبية و قال:

-         من أين أنت؟

-         من فلسطين.

-         أين يقع هذا المكان؟ لم نأخذها في المدرسة بعد.

عندها شعرت و كأنها فرصتي لتعديل ميزان القوى فشددت ظهري و فردت كتفيّ و قلت مشيرة إلى عنقه:

-         أتعرف إيسوس خريستوس (السيد المسيح)؟

-         نعم

-         بيتي لا يبعد كثيرا عن بيته. لقد زرته عدة مرات. إنه يعيش في قلعة كبيرة قديمة تسمى "المهد".

-         "المخد"؟ لم أسمع بها قط لكن يعجبني حذاؤك على أية حال. أتريدين أن تأخذي شوطاً على الدراجة؟

-         لكنني فتاة.

و بنظرة بريئة مستفهمة قال:

-         و إن كان؟

 

كلماته الأخيرة عن الدراجة زاحمت الأفكار في رأسي. فلم يكن يسمح لي في بلادي أن أقود الدراجة في الشارع لأنني فتاة. على السطح، في الساحات ربما. لكن في الشارع؟ فكان ألف عيب و مستحيل.

لكن الساحات و الأسطح ضيقة و مملة أما الشارع فلا أدراج تنتظرني عند نهايته ولا أحواض نعنع و مريمية.

ابتسمت و اعتليت المقعد و سألته:

-         ما اسمك؟

-         إيفان

-         انتظرني هنا يا إيفان

و كأن انامل ملائكية شدت الابتسامة على وجهي فانطلقت مسرعة تاركة الريح تدغدغ شعري و تملأ منخاريّ الصغيرين، و فكرت "إن كان المجيء إلى هذا المكان هو ثمن سماع كلام أمي فلن أعصيها مرة أخرى".

المشهد الخامس

لقد مضى على قدومنا إلى هذا الفردوس حيث لا حد للعب والاستكشاف شهر من الزمان، فيه تعرفت على كل الأزقة و الأروقة و لم يبق طفل إلا و أراد الانضمام إلى مجموعتي، تلك المجموعة التي تقودها الفتاة الغريبة السمراء.

في عصر يوم من الأيام اجتمعنا كالعادة قرب ضفة نهر "نيجيغول" الذي لم يكن يهمني اسمه بقدر ما كان يأسرني جماله.اقتربت مني فتاتان و اخبرتاني بأن لديهن بعض الأسئلة التي يودن أن يطرحنها علي فتوسطت المجموعة بصفتي القائدة و تسمرت كل الأعين عليّ عندما قالت الأولى:

-         تقول أمي أن هنالك حرب في بلادكم. هل هذا صحيح؟

قد لا يلم طفل في التاسعة من عمره كل الإلمام عن كلمة تجريدية ككلمة "حرب" إلا أن هذه المجموعة بالذات كانت محظوظة بوجود خبير مثلي. أذكر أني قصصت الكثير من مغامراتي عليهم، عن القنابل المزعجة و الجنود الفظيين، عن طائرات الأباتشي التي سمعت الكبار يتحدثون عنها و عن  الجيبات العسكرية التي تمشط شارع حينا ذهابا و إيابا، حتى ربما أنني قصصت من مخيلتي أكثر من الواقع، كيف لا و قد احطت بكل هذا الاهتمام، فلا يعقل أن أروي لهم قصص أقل من عادية!

بعد أن انتهيت من أساطيري الحربية ارتفع صوت الفتاة الأخرى بسؤال آخر:

-أولست من البلاد الأجنبية؟ لم لا تغني لنا أغنية التايتانك؟

-أغنية التايتنك؟

-نعم، التايتنك! لقد قال إيفان أنك من بلاد جاك و روز و تجيدين لغة أجنبية، هيّا! أرجوك! غني لنا..

 

كان التايتنك حينها في أوج شهرته التي تمتد إلى أيامنا هذه لكنّي كنت حينها في الصف الثالث سأترفع إلى الصف الرابع خلال شهر أو شهرين ولم أكن أجيد الإنجليزية في ذلك الوقت، كانت المدارس تطرح منهج اللغة الانجليزية الأردني الذي يبدأ تدريسه في الصف الخامس و ليس قبل. جل ما كنت أعرفه من الأغنية كان "EVERY NIGHT" حتى أنني لما أكن أعرف معنى هاتين الكلمتين، لكنني كنت طفلة مغامرة أعشق التحدي ولا أنسحب أبداً بدون أن أحاول على الأقل، كما أن أذني موسيقية و خيالي خصب و بحضرة هذا المنظر الخلاب فسأستطيع أن أقدم عرضاً لن يشهدوا مثله قط، لذا قلت لهم:

-         حسنا، أنا أعرف الكلمات عن ظهر قلب، كل ماعليكم هو أن تتمتوا اللحن وأنا سأغنيه بكل إتقان. قفز صبي أمامي و التقط غصن شجرة شبه متحلل من على الوحل مستعدا لدور المايسترو، وهز الأولاد رؤوسهم في حماس. تسلقت صخرة قريبة و قومت ظهري و فردت أكتافي إلى الوراء، أخذت نفساً عميقاً فصدحت حنجرتي بالأصوات.

للحظات قليلة كادت الكلمات الأصلية تخرج من بين شفتي إلا أنه بعد EVERY NIGHT بدأت بتأليف كلمات من مخيلتي، كلمات لا تحمل أي معنى لا باللغة العربية ولا بالروسية ولا بالانجليزية ولا حتى بالمريخية! مع حرصي الشديد على مواكبة و تقفي لحن الاوركسترا الصغيرة أمامي. تمتمات و طلاسم غير مفهومة، راقبت وجوه جمهوري فبدا مقتنعا تماما بأدائي، أنهيت الأغنية و انحنيت لتحية المستمعين وسط تصفيق حار لفت أنظار من كان يسترخي قرب النهر.

نزلت عن الصخرة بكل فخر أتلقى المديح من معجبيني المخلصين و إذا بي أرى (إيفان) يمشي مقبلاً يصفق لي هو و بنت أخرى لم أرها من قبل. قال لي:

-يانا جميل ما غنيت! هذه (يوليا) صديقتنا في الحي و هي تعشق التايتنك مثلنا جميعا إلا أن الفرق هو أنها تدرس اللغة الانجليزية في المدرسة ونحن ليس بعد. هل تسمحين لها أن تغني امامك و أن تبدي لنا رأيك في غنائها؟

تسارعت نبضات قلبي، يا إلهي! ما هذه الورطة! ستضيع هيبتي للأبد! إلا أنّي تمالكت نفسي بصعوبة و قلت:

-حسناً يا (يوليا) اصعدي الصخرة و سنرى!

تسلقت (يوليا) الصخرة بأقدامها الصغيرة، أرجعت ضفائرها إلى الخلف، تنفست بعمق و انطلقت بصوت رقيق كأصوات عصافير الصباح، لكن (إيفان) كان على حق فهي تعرف بقية الأغنية، أي كل كلمة بعد EVERY NIGHT ! تخبطت الأفكار في رأسي و خفت أن تبدو علامات الارتباك علي. يا ترى هل سمعتني و أنا أؤلف النشاز؟ هل سترفع القناع عن زيف مجدي؟

-حسنا؟ ما رأيك؟

قطع الصوت أحبال الأفكار في رأسي التي كانت أشبه بكرة خيطان صوفية تعبث بها هررة مشاغبة و رأيت ستة رؤوس ذهبية موجهة صوبي تتوسطها أزواج ياقوت زمردي اللون. سمعت صوتاً في رأسي يلحّ عليّ: استرخي!

-         كان أداؤك جيدا يا (يوليا). لقد ارتكبت القليل الأخطاء هنا و هناك لكن غناءك جميل!

إن كان هناك شيء يعرف بالحسد الطفولي فذلك ما حصل لي بالضبط مع (يوليا).

 

المشهد الأخير

لا أذكر شيئاً بعد ذلك سوى منظري وأنا أمشي مبتعدةً عنهم في طريقي إلى المنزل أفكر بعمق و إصرار أن أكون مهذبة طوال العام و أن أتعلم تلك التي تسمى باللغة الإنجليزية  لكي أعود الصيف المقبل و أكون قادرة على مباراة (يوليا) مباراة نزيهة أبرز فيها كل مواهبي.

 

بعد شهرين من الزمن اندلعت حرب حقيقة لم احتج لا لتخيلها ولا لمبالغة وصفي لها.

سميت بالانتفاضة الثانية

فلا أنا رأيت (يوليا) بعدها ولا سقت دراجة الهوائية

لكنّي حفظت تتمة أغنية التايتنك!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.