الطريق إلى الجنة!
أيمن حسونة

1

لم نغب طويلاً، الرحلة التي استمرت ثماني ساعات من عمان إلى رام الله، في الواقع لا تحتاج

لأكثر من ساعتين، مع مراعاة فارق المعابر و الإنتظار و "الختايرة"!

 

أن تذهب إلى فلسطين عبر الجسر، يعني أن تحمل معك جواز السفر، تصريح الاحتلال، بطاقة إحصاءات الجسور، الهوية الخضراء  و دفتر خدمة العلم... فقط! و يعني أن تلعن الإحتلال عند كلّ حاجز، نقطة تفتيش، و حينَ تلمح العلم الأبيض و الأزرق كل مرّة!

تنتقل من سيارة ركوب صغيرة إلى حافلة أولى، تنتظر،  تمشي بضع دقائق فقط و ثم تنتظر، تمشي دقائق أخرى أطول قليلاً، و تنتظر إشارة الجُندي على البوابة لتبدأ الرحلة الحقيقية.

أن تذهب إلى فلسطين عبر الجسر، يعني أن تلتقي بعدد هائل من "الختايرة" أو "الختيارية" حسب اللهجة، المفارقة هي أن ما يحملون من حاجيات بصراحة "بتهد جبل"، وأنا الذي أحاول دائماً أن لا أحمل سوى ما خفَّ و سهل.... أقضي الرحلة متعجباً منهم!

العبور إلى فلسطين ببساطة هو أصعب من أن تذهب في رحلة إلى أبعد ولاية في أمريكا!

"عالدور يا إخوان.. واحد واحد يا إخوان"...لا أحد يسمع...و لا أحد ينفذ.

على بوابة معبر "اللنبي" تقف في طابور له شكل أي شيء..إلا الخط المستقيم، كوعٌ يدخل خصرك، قبضةٌ تضرب ظهرك، قدمٌ تدوسُ على قدمك، سيجارة الرجل الواقف خلفك يخترق دخانها بصيلات شعرك.. تتحسس جسدك ألف مرّة للتتأكد أن كل شيء في مكانه.. عادي.. كل شيء هُنا قابل للحدوث!

 

2

المحطّة الأولى: مجندة  تبتسم و هي تمسك جواز سفرك، تلصق عليه ورقة صغيرة لونها "زهري" و تخربش عليها حرفاً ما أو رمزاً ما! – ستعرف لماذا بعد قليل-.

المحطّة الثانية : الكل "يدافش" كي يصل، تأكد تماماً أن الحظ قد ابتعد عنك في اللحظة التي ستلمح فيها أمامك رتلٌ من "الختيارية" ينتظرون محطّة التفتيش الجسدي.

"عالدور يا إخوان...واحد واحد يا إخوان" لا أحد يسمع.. و لا أحد ينفذ.

طفلٌ ينزع الشريط القماشي الذي يحدد مسار الوقوف ، ينتبه الجندي الذي يحمل "الــ إم 16" ، يصرخ عليه ، تناديه أمّه ، تضربه بيدٍ على وجهه –بالأخرى تحمل رضيعاً يبكي – تسب عليه " أقعد يلعن أبوك ، هسّا بيجو الــياهود الملاعين بوخذوك".

المسؤولة عن جهاز التفتيش تدقق بجواز السفر ، الورقة "الزهرية" و الخط المرسوم عليها  تقول لي " إشتنى شوي ، خلئ بنادوا على إشمك.."

عشر دقائق ، عشرون... " أيمــان أنــواغ.."

أنا.. أذهب إلى طاولة جانبية ، "خات الشنطا.."

بيدها عصا بلاستيكية ، مغطاة بقطعة قماش صغيرة  تمررها على "الشنطة" و بداخلها ، على الكاميرا و الهاتف النقال و المحفظة.. تضع قطعة القماش في جهاز كبير خلفها ، يصدر صوتاً ..

"خلص غوح.."

لم أفهم شيئاً... و مشيت!

المحطّة الثالثة : طابورٌ منتظم .. للمرة الأولى، لم تنزل عليهم الضوابط فجأة، بل لأنهم يعرفون أن المجندة المسؤولة عن ختم الأوراق لن تنجز أي ورقة  إذا إعوَّج الصف!

دوري الآن، أقترب من الزجاج،  أفردُ أمامها كل ما أحمل من أوراق، تختار التصريح و الهوية الخضراء و تعيد باقي الوثائق، تنظر في الهوية  بعين، و بالعين الأخرى  عليّ..

"غيرغ خويتك..."

ماشي، المرّة الجاي، أربع أختام، و أمشي.

 

3

نيتشة قال يوماً ما : "الإنتظار يجعل المرء بلا أخلاق..." و قد أصاب!

"تساعدني بالله يا خالتي، إيدك معاي يا بنيّ،  عاونّي الله يعاونك يمّا..."

تضربك طيبة القلب، تساعد هذا الختيار و تلك العجوز ، تتمزق عضلات ساعدك و أنت تجر الحقيبة الضخمة، بحجم خزانة منزلية، لا تلحق بالباص المتجه إلى الإستراحة، تنتظر الباص الثاني تحت الشمس، و تحرص تماماً أن لا يكون مقعدك في الصفوف الأولى، كي لا تضطرك طيبة قلبك أن تقف طول الطريق لأجل عجوز أو "ختيار" آخر.

تصعد إلى الباص مع الحج و الحجّة الذين ساعدتهم، و تتجه إلى "الإستراحة".. تقضي الوقت و أنت تتأمل البلاد، وجوه الناس المتعبة، بداية الصيف في منطقة الغور يجعل كل شيء قابل للفوران، تنتشي بأنَّك قد وصلت أخيراً إلى هنا و كأنك كنت في سباق موانع..  تتلذذ بمشهد النخيل في الطريق إلى آخر موقف قبل أن تستقل السيارة إلى رام الله، فجأة، وسط كل هذا الكم من مشاعر الشوق و الفرح و النشوة، تلمح نفس الحج والحجة الذين أخرّوك..  هو يحمل حقيبته الضخمة بيده و يهرول نحو سيارات قلقيلية، و هي تجر الحقيبة بيد، و بالأخرى تحمل "جلن" الزمزم من فئة العشرين لتراً، و تصرخ من بعيد... "نابلس..نابلس راكب واحد..."

"عالدور يا إخوان...واحد واحد يا إخوان"..لا  يسمع أحد!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.