ضربات باللون الأحمر
جورجيت رزق الله

ضرَبَتْ الْبابَ الحديديَ بعنفٍ حتى تخضّبت يداها باللونِ الأحمرِ، استمرت بالصراخ والعَويل

لما يزيد عن ساعة كاملةٍ، تصرخُ تبكي تشتمُ بأعلى صوتها، لم تعرف ما اللّذي يتوجَّبُ عليها فِعلَهُ... تُرِكَت خارجاً، طفلة بعمر الثَّالثة عشر وحيدةٌ وخائفة، عينان غارقتان بالدُّموع،لا ترى أمامها سوى خيالات أشخاص وسيارات، مرَّ برأسها أسوأ سيناريوهات عن الخَطفِ والتَّحرُّشِ فزادَ خوفُها أضعافاً. عادت ودقَّت الباب بعنفٍ حدَّ الألم، ولكن لا أحد!. مزحة صغيرة كادت أن تكلِّفها حياتها.

 

كان الجوُّ صَيفاً شديد الوَطيس، والرٌّطوبة عاليّةٌ لا ترحم أحداً، وكلَّما اقترب الباص من البحر ازدادت الرُّطوبة أضعافاً. كانت مريم طفلةً تعشقُ الجبال حيثُ الهواء العليلُ والرُّطوبة أقل، كانت الطَّبيعة هواها وعشقها وملاذِها الوحيد من الفوضى...من أعين الشَّفقة وتعليقات عائلتها المؤلمة، كانت مهرباً من كلِّ ما يربِطُها بهذه الحياة، أصبحت عادتها الأسبوعيَّة أن تقوم  برحلة جبليَّة في حضن الجبل لتريح نفسها من التَّوتر قبيل زيارة والدها. وهذا الأسبوع بالذات كانت بأمس الحاجة لتختلي بنفسها وتعيد ترتيب حياتها قليلاً، تفكر في حياتها المدرسية، اختلافها عن باقي زملائها بالصف، أن تشعر بنفسها بأنها طبيعية، أن تعيد ترتيب كيانها، تخفف من ضياعها المبرر. لم تكن حياتها عادية، كان لا بد من أن تكبر فجأة، أن تتحمل مسؤولية نفسها، أن تنسى أنها تكبر وتتحول إلى امرأة، أن تقفز عن مرحلة اكتشاف تغيراتها الجسدية، أصبحت أم دون سابق إصرار. استيقظت مبكراً كعادتها وعادة الآلاف مثلها، فاليوم هو اليوم المنشود للزيارة، زيارة ذلك الغريب المدعو " أب"، تلك الزيارة التي تعيد نسج علاقتها مع أبيها كل مرة.

ما هو الجزء الأصعب من الرحلة؟ الإستيقاظ باكراً، الجلوس لأكثر من 6 ساعات في الباص، الإنتظار الطويل أمام باب السجن، أم المزحة التي قام بها الجندي في ذلك اليوم؟ لم تنم اللَّيل وهي تحاول الإجابة عن هذا السؤال، أيُّهما أصعب؟ أن تشعر بالإهانة وتضحك، أم تشعر بالإهانة وتبكي؟. أيحق لنا أن نبكي؟ ولم لا؟ مريم في حربٍ دائمة، حرب إنسان يحاول أن يمتص ملح الحياة من خطوط كف صفعتها بلا حسبان بلا رحمة وهل تيأس مريم؟!

قبل تحديد موعد الزِّيارة، أبلغهم الصّليب الأحمر أنَّهُ تمَّ نقل والدها لسجنٍ جديدٍ عقوبةً له على بعض التَّصرفات غير القانونية بالنسبة إلى عدو متعجرفٍ متغطرس. تمَّ نقل والدها إلى سجن شطة الَّذي يقعُ إلى الشمال الغربي من مدينة بيسان المحتلة، ويُعتبر من أقدم وأبعد السجون من زمن الاستعمار العثماني. تجلس مريم وبجانبها أختها الصغيرة ذات الأربع سنوات، تحاول أن تضع على جبينها قطعة من القماش المبلَّل لتخفف من الأجواء الحارة داخل الباص. حال التوتر بينها وبين التركيز في قراءة روايتها، كانت متلهفة لرؤية والدها بعد ما تم منعها من زيارته بالمرة الأخيرة ونقله من سجن بئر السبع إلى شطة، لم تستطع التركيز وهي تتخيل شكل السجن . في كل مرة كان يُنقلُ إلى سجن جديد تشعر بغربة جديدة، ونوع آخر من الإذلال الداخلي كأنها دمية يتحكم بها مجموعة من الحثالة وهذا أقل ما يقال عنهم. حاولت إستعادة تركيزها ومتابعة القراءة، إلا أنّها تذكرت كيف كانت تسرد لصديقتها عن مخاوفها من الزيارة، كانت تكره أن يلمس الجندي جسدها، تشعر بالقرف من نظراتهم لها، كانت تخاف أن تكون وحيدة، الطريق طويلة ومتعبة، تنظر حولها فترى بأن الجميع متعب، مهموم، كل لديه قصته الخاصة، مشاكله، الجميع يتظاهر بأنهم بخير، أقوياء وما أصعبها. مسكت كتابها وأكملت القراءة لعدة صفحات، كانت قد بدأت هذه الرواية يوم أمس " زينة" .

كان الباص عبارة عن خلية من النحل، الجميع يتحدثون ويضحكون، أمهات تحاول إسكات أطفالهن، رجال يتحدثون بالسياسية فيثور أحدهم ويبدأ بالصراخ، حاولت مريم أن تغلق أذنيها أن تُسكت العالم من حولها إلا أن الطريق طويلة ولا يوجد أي شيء لفعله إلا الكلام. في الكرسِي المقابل لمريم جلست امرأتان أعمارهن بحيطان الأربعين، يأكلن بعض التفاح ويتحدثن بأمور الحياة، تحدثتا بكل شيء- الطبخ، والأولاد، المدارس، العمل، عن الجارات والأقارب- فشد سمع مريم كلمة " والله يا أم الوليد ابني نفسيتو تعبانة، هو أكيد قدامنا بحاول يبين أنو منيح والعزيمة قوية، بس قلب الأم يا ام الوليد ما برحم" وتابعت المرأة الحديث عن ابنها، وكيف تم اعتقاله أمام زوجته وأطفاله "بنتو لسا ما صار عمرها شهرين، ما لقيناهم إلا قدام الدار والحارة محاصرة، أخذو وما خلو يودع لا مرتو ولا بنتو، أنا قدرت احضنو لثانية وحدة، بس ثانية وحدة والله حرقلي قلبي هالولد". تتحدث المرأتان بحرقة وشوق، كباقي نساء الوطن، حتى برتقالها ينضج بحرقة، لأن الأيدي التي تقطفه ليست فلسطينية وهي نفسها التي تقطف وتسرق عمر الشباب منا، تقتل وتسجن وتدمِّر، تُدمرأحلاماً وتزرع الحسرة والحزن في صدور أمهاتنا. بعد مرور حوالي الخمس الساعات وصل الباص إلى سجن شطة، وتفاجأت مريم بأن السجن على الشارع الرئيسي ولا يوجد له أي مكان مخصَّص للأهل مثل باقي السجون الاسرائيلية، فارتعبت قليلاً إلا أنها حاولت ان تهدئ من روعها وتتنفّس ببطئ، وضّبَت أغراضها وحقيبة الملابس لوالدها ونزلت من الباص، وقفت مع باقي الأهالي أمام بوابة السجن بانتظار الجندي أن يفتح الباب ويبدأ بأخذ الهوايات وتصاريح الزيارة، انتظرت مريم وباقي الأهالي ما يقارب الساعة ولم يظهر أحد بعد، بعدها فُتح شباك صغير بالبوابة ونادى الجندي على الأهالي، أخذ التصاريح منهم وطلب منهم الإنتظار ليبدأ بالمناداة كل خمس عائلات مع بعضهم للزيارة.

لم يكن عدد الأهالي كبيراً لهذا السجن مقارنة بالسجون الأخرى، بقيت مريم وأختها مع المجموعة ، بدأ الجندي بمناداة الأسماء والتأكد من هوية الشخص قبل أن يفتح الباب لإدخالهم  للزيارة، نادى على الكل حتى أختها إلا مريم، ارتعبت، لم تعد قادِرة على الحراك من مكانها، تجمد عقلها ولم يعد قادراً على إعطاء أوامر لجسدها المثقل، أصبحت بموتٍ سريري مؤقت لجزء من الثانية، وجدت نفسها وحيدة أمام باب السجن، على الشارع الرئيسي، لا يوجد لديها أي شيء لا تلفون ولا نقود كافية لا شيء سوى قلب مثقل بالشوق والحسرة والرُّعب، أختها دخلت للزيارة، الجميع دخل للزيارة إلا هي، بدأت تبكي، تدق الباب بقوة، لا أحد يستجيب، فعاودت تطرق بقوة أكبر فأكبر، حتى احمرت كفاها بالدّم المحاصر تحت جلدها الرقيق، لم تهتم استمرت بالصراخ والبكاء، ظلّت تتوسل الجندي الذي ظهر جزء من وجه من خلف الشبك الحديدي الصغير بالباب، حاولت أن تؤكد له بالعربية والانجليزية وبكل ما أسعفتها بها ذاكِرتها المجمّدة من هول اللحظة "أعطيتك التصريح مع باقي الأهل ماذا يحدث أريد أن أفهم؟"، هو يكلمها بالعبرية وهي تجاهد بالكلام، كأنها تعلمت حديثاً كي تلفظ الحروف، أحست بغربة عن حروف لغتها العربية تلك التي تحدثت بها سنين طوال، أغلق الشباك وأغلق معه آخر أمل قد راودها من أن يجد التصريح وتزور أباها. بعد مرور خمس وأربعين دقيقة خارت قواها وجلست أمام الباب وحيدة وخائفة، غارقة بعرقها وغضبها، تنتظر أن يظهر أحد من الأهالي يطمئنها، يواسيها، اجتاحتها حالة من الحنين لأمها، كأنها تغربت عنها سنوات لكن... لا أحد، وضعت يديها على رأسها وأغمضت عينيها بتعب، تخيلت نفسها بأنها تمشي بين الأحراش في مدينتها، حاولت الهروب من تعليقات بعض المارة في هذه الوحدة الممزوجة بالعذابات والقهر، أغمضت عينيها ولم تعد تدرك ما يدور حولها.

فُتح الشباك الصغير من الباب وظهر جندي اسرائيلي أسمر البشرة ذو لحية خفيفة مرة أخرى، ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه وسمعت مريم بعض الضحكات المتفرقة من زملائه بالخلف، فمد يده بتصريحها وقال" هذا التصريخ لك صخ؟". فقالت مريم والدموع على وجهها " اه اه هاد تصريحي وين كان؟" فرد الجندي عليها والابتسامة الخفيفة مازالت ظاهرة " كنا نمزح معك، بتقدري تفوتي تزوري ابوكي هلا، ضل عشر دقايق". لم تتحرك مريم من مكانها، شعرت بأن قلبها قد توقف، غابت عن الوعي، ضباب يحيط بها، لم تعد تشعر بما حولها، من يكلمها؟ أين هي؟ ماذا جرى؟ شعرت  بالخدران في كل جسدها أحست بأنها لاشيء بلا قيمة وانسانيتها لا تساوي شيئاً، شعور من الحقد تملكها، كراهية تفشت في جسدها، صرخت حتى انهارت، مزحة من عدو.. لا كلا إنها ليست بمزحة إنها ضريبة حب الوطن ولقاءٍ قصير.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.