"قارب في بحر اسمنتي معرض "مكانك سر"
تمارا أبو لبن

في منتصف مدينة بيت لحم بأحيائها القديمة المتراصة أتمشى مع صديقة لي  مقابل كنيسة مهد المسيح فعلمت من أحدهم بوجود معرض فن تشكيلي بالجوار

فقررنا أن نقضي قليلا من الوقت هناك لأكتشف حينها أن الفنان هو من مخيم الدهيشة أي من حيث نشأت.

 

القادم إلى معرض الفنان عايد عرفة يستقبله تنوع الألوان فيكاد يذهل بكم مزج الألوان التي تتراوح ما بين الأخضر والأصفر والبنفسجي والأزرق ودرجات البني. الحيز ليس بكبير ولكن بمجرد أن تخطو قدمك داخل الباب الزجاجي للمعرض حتى تدخل إلى عوالم مختلفة. تتحدث الفتاة التي تدير المكان عن الفنان عايد نشأته في مخيم الدهيشة للاجئين وأعماله فيختفي صوتها لأشرد بمخيلتي داخل لوحة "السر"، أسمع صوت الألوان فهي ليست صامتة كما يظنها البعض، ملاقط الغسيل تحدد المباني وتربط الأحياء السكنية معا، حب للبحث في المساحات وهندستها يبدو واضحا في هذه الرسمة، أنماط شكلية وهندسية متضادة ومتداخلة، أدراج كأدراج المدن الفلسطينية القديمة كبيت لحم والقدس القديمة، القباب أينما وليت وجهك، وفي قلب المدينة مصباح مضيء وفي أسفله هنالك السر في الكلام المتشابك بالخط العربي الساحر.

يعود صوت الفتاه متصاعدا، قائلة: على اللوح المقابل هنالك لقطة قريبة zoom in من لوحة سر وهي حماية شباك.

استدرت لأرى الرسمة، لماذا قرر عايد أن يقدم لقطة قريبة لحماية النافذة ـ وهو الجزء الحديدي الذي يكون داخل إطار النافذةـ ، وليس للنافذة بأكملها! هل لأن شكلها أي الحماية ملفت ومليء بالزخارف أم لأنه قد يكون لها بعد نفسي واجتماعي له علاقة بالخصوصية حيث أن بيوت المخيم متراصة وكأن الجيران يعيشون معا، وليس ذلك وحسب فالحماية مرتبطة بحماية ذاتي ومشاعري من الأخرين، والمعنى قد يذهب الى ما هو أوسع وله علاقة بحمايتنا من الاحتلال بالتالي له ارتباط وثيق بالشعور بالأمان، أو أن عايد يحمي سره ولا يريد الآخرين أن يدخلوا إليه، فحتى شكل الحماية قريب من الحرف X مزخرف وبألوان متداخلة ليست قوية ولا محددة.

نقترب من لوحة "untitled"، قارب يبحر في بحر اسمنتي! ليؤكد على عنوان المعرض "مكانك سر"، حيث يبدو وكأن القارب يسير لأن خطوطا من خلفه تظهر حركة ما، في حين أن اللون الرمادي للماء يعطي انطباعا بالسوداوية، هل سبق وأن رأيتم مياه رمادية؟ أما في الأعلى فالسماء خضراء، فلقد انتظرت أن ارى لونا أزرق، كالسماء أو البحر، لأن تفاجئنا اللوحة بأفكار عميقة وألوان غير متوقعة. ففي عملي في مجال السينما يعتبر ابداعا تقديم أفكار ولقطات غير متوقعة وذات معنى عميق ومبتكر في نفس الوقت.

لا أعرف عن مدارس الرسم والفن التشكيلي ولكني أرى في معرضه ابداعا يفوق مساحة اللوحات بكثير. فأن تظهر قاربا يسير ولكن في الاسمنت يالروعة العقل! فيعبر الفنان هنا عن كم الجهد المبذول في طريق ما، قد تكون الفكرة نابعة من صعوبة شقه لطريقه ليحقق ذاته. في حين أن اللون الأخضر بخبرتي السينمائية يدل على الخضرة والراحة النفسية، أما درجات الاخضر الداكنة قد لا تعطي رسائل ايجابية بل على العكس، ويتجه القارب نحو الألوان الداكنة في حين ان السابق أو الماضي أي من حيث أتى القارب كان أكثر ضوء.

 

تستوقفني لوحتان على نفس الواجهة، (Studio1, Studio2)، فاللوحة الأولى تتميز بالبساطة وكثرة استخدام اللون الاخضر الداكن الذي قد ينم هنا عن الفقر وبساطة الحال، حيث أن اللوحة هذه تجذب الأنظار لجمال استخدام الضوء والظلال وبساطة الفكرة، والصندوق الذي على الطاولة وكأن الفنان صنع الصندوق ليفكر خارج الصندوق. اما اللوحة الثانية فحاول الفنان تغيير اسلوب الرسم ليبدو اكثر تجددا وكأن المكان تطور وأصبح اكثر ميلا للأثاث الفاخر ولكن ما زلت اشعر وكأن هذه اللوحة تحمل نوعا من التهكم وكأن القديم ببساطته وألوانه الداكنة أجمل.

يبحث عايد كثيرا في هذا المعرض في الأماكن باختلاف مساحتها سواء في المدينة او المخيم او داخل معمله وبيته، ويخلط الماضي بالحاضر محاولا البحث في ذاته عن ذاته فهو كل هذه الأماكن باخلاف هويتها وأنماطها.

تبدع يده مرة أخرى في لوحة Scene2 حيث أرى فيها مشهدا للمخيم في الليل. شبابيك المنازل وكأنها عيون شريرة، فالمخيم مكان جميل وقبيح ويتميز بكلاهما معا، فليل المخيم مظلم مخيف، والدوريات الاسرائيلية هناك باستمرار تطلق النار وتخيف الناس. ينظر سكان المخيم من شبابيك منازلهم وكأنهم حيوانات مفترسة تريد أن تحمي نفسها وأسرها. فأنا ايضا أكره الليل... قد يكون رأي عايد مختلفا عني ولكن هذا ما أراده عقلي وأسقطه على اللوحة.

الثور المعلق هو أحد الابداعات في المعرض، لا يبدو لي ثورا هائجا بل هادئا، يحاول البحث عن وجهته وطريقه، في حين أنه مربوط، حتى وان وجد بوصلته فلن يستطع المضي والسير. هذه الفكرة تذكرني بالتفكر بالوجود ان كنا نحن كبشر مسيرين ام مخيرين، وقد يكون رأي الفنان انك وان كنت مخير في بعض الحركات البسيطة ولكنك مسير في الغالب مثل دمى الماريونيت. هل كان عايد يبحث عن فكرة روحانية؟ لرمبا هي تجليات صوفية.

وتقول منسقة المعرض: "الفنان عايد عرفة يحب العمل مع الخشب فمعمله أشبه بمنجرة و هنا يصور الثور هذا كذبيحة العيد معلقة"

لم اشعر بأن هذا الثور هو ذبيحة عيد الأضحى فأسلوب التعليق مختلف ومناطق ارتكاز الوزن مختلفة، كما أن أرجل الثور على الأرض جعلتني أحلق في خيالي كما يحلق هذا الثور في جسده وعقله في حين ان أرجله على الأرض ثابتة، كم هذا جميل.

وفي لوحة ظهرت لي وكأنها مختلفة عن أخواتها يصور الفنان شخصا نائما ، ما يلفت النظر هو تنوع ألوان البطانيات فهي لوحة مبهجة والجميل في الخلفية انه كلما اقتربنا الى رأس الشخص النائم تزداد الالوان بهجة، فالعقل ليس نائما بل حالما وهذا يذكرني مرة أخرى بعنوان المعرض "مكانك سر" الشخص نائم ولكنه يبدو وكأنه يتجول في أحلامه ليعود فيرى نفسه في نفس المكان لم يبارحه. أما طبقات البطانيات فالحيز الضيق في بيوت المخيم يجعل الناس تنام مفترشة الأرض والأخوة بجانب بعضهم البعض والأغطية في كل مكان في الغرفة، ويصور الرسام النوم كجزء أساسي منه ويجعله جميلا.

وبالعودة إلى الخشب فقد استخدم عايد قطع الخشب الصغيرة جدا التي قد نجدها في الشارع ولا نكترث بها ونرميها، فيصنع منها مدنا وناطحات سحاب في مجسم خشبي بعنوان "urban sight"، فالأشياء الصغيرة هي في الواقع كبيرة. فقد زار عايد وعاش في مدن أوروبية متعددة ولكنه عاد ليبحث في تفاصيل هذا الجزء من العالم، فيبحر في الماضي والحاضر معا ولكنه يكتشف انه لا يزال مكانه أي (مكانك سر).

 

المعرض يحمل تنوعاً جميلاً، أفكار يضعها لنا الفنان ويكونها من زوايا مختلفة ليخلد مشهدا أو فكرة ويطرح أسئلة أو يلملم قطعا من هنا وهناك ويجعلها قطعا فنية، ويجعلنا نتفكر من هو ومن نحن؟ فهذا كما علمت المعرض الشخصي الأول لعايد عرفة يقدم سنوات تجربته فيجعل عقلك يكتظ بالأفكار وتنتقل العدوى إلينا نحن الناظرين، وكم هي جميلة عدوى الإبداع والفكر والفن.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.