على عتبة غد آخر
أيمن تشرين

أذكر حين كنت في الصف الخامس سؤال أبي لأول مرة حول ماذا أريد أن أفعل في المستقبل، كانت لي آنذاك إجابة سريعة: "بدي أتعلم بالجامعة وأعمر بيت وأتجوز".

 

 

أفهم اليوم أن هذا السؤال في سن مبكرة كان هدفه دفعي إلى التفكير في المستقبل ورسم خطوط عريضة له، لكنني لم أكن أحتاج إلى الكثير من التفكير، فالجميع يفعلون الشيء ذاته، على الأقل الجزء الخاص ببناء البيت والزواج؛ ولم يكن عليّ إلا أن أسير ضمن الحدود التي رسمت لشاب قروي.

لم تمض سوى بضعة سنوات حتى أصبحت إجابتي على هذا السؤال اللغز الأكبر في حياتي. رغم أن أبي وأمي كفا فعلياً عن سؤالي المباشر عن المستقبل، إلا أني بقيت أنا والسؤال ومستقبلي المستنسخ والواقع الجديد -المثلي ـ  في صراع دام طويلاً.

السنة الثالثة والأخيرة في دراستي الجامعية للقب الأول، خلفي عشر سنوات من الصراعات والآلام والأزمات النفسية والعائلية التي لا يعرف قساوتها إلا المثليين أنفسهم، وأصدقائي المقربين (أو من بقي منهم)، وأمامي مرآة.

قررت وقتها بأنه آن الأوان لكي أواجه حقيقتي بكوني مثلي، بعد أن مررت بأطوار تشكل الهوية، وجربت -عبثًا- كل الطرق لكي أصبح مغايراً:

"إنت، يعني أنا، هومو.. آه هومو!.. بعرف إنو بستعملوها كمسبة، أنا كمان كنت أسب وأقول يا هومو.. بس هاي حقيقتك! وانت بتعرف كثير مثليين، بجننو، مش الصورة النمطية تاعت الهومو الي بتسمعها الناس من نكت سوسو.. وبعدين مالو سوسو؟ فش أنغش منو، وأصلاً هو حر. ولشو الإنكار، ما إنت بتميل عاطفيًا وجنسيًا لنفس الجنس، وكان عندك تجارب جنسية مع شباب، وتنساش إنك سمعت بذانك نفس الجواب من كل الأطباء النفسيين الي توجهتلهن إنو هادا مش مرض نفسي. خلص بكفي السنين المرّة الي مرقت، هاد إنت.. أنا.. من اليوم لازم أتصالح مع حالي، أصير حقيقي، أحب حالي، أشوف الإيجابيات إلي في كينونتي.. آه هيك إبتسم، واللي مش عاجبو يدق راسو بالحيط.. اليوم انولدت من جديد والشغلة بدها احتفال!".

في الواقع لم أحتفل فعلاً، لكن هذا اليوم كان بالنسبة لي تاريخياً. إنه النقطة التي انهار عندها المستقبل المرسوم مسبقاً، ومنها بدأت برسم مستقبل آخر، مستقبل يعرف احتياجاتي ويرفض إلا أن يكون حراً، ذاتياً وغير مقولب. عندما واجهت نفسي بالحقيقة التي كنت أعرفها وحاولت إنكارها لعدة سنوات، عرفت كم كنت ضعيفًا، وكم هي إرادتي مسحوقة أمام إرادة مجتمعي المثقل بموروثات أخلاقية، لا فضيلة فيها ولا عدل.

قد يظن البعض أنه من السهل القيام بخطوة كهذه، لكن في الواقع التقبل الذاتي والتخلص من "رهاب المثلية" الداخلي يستوجب مجهوداً نفسياً جباراً، فليس سهلاً أن تكون مختلفاً في مجتمع تسوده ثقافة شمولية، وتنعدم فيه الحريات الشخصية، وليس سهلاً أن تكون حراً، فالحرية مسؤولية؛ وليس سهلاً أن توقن أن الزواج لم يعد في قائمة أهدافك، ولا أن تسلم بحقيقة كونك نداً لموروثات متراكمة من التخلف والتقوقع. ولذلك فهناك من المثليين من يصل إلى هذه المرحلة من التقبل الذاتي مبكراً، وهناك من يتأخر حتى يصل إليها، وهناك من لا يبلغ من النضوج ما يمكنه من تقبل ذاته، فيمضي عمره كله خائفاً، حائراً ومختبئاً.

لقد مضى على ذلك اليوم سنتان، بهما أصبحت عضواً في جمعية القوس، التي كانت بيتي وعائلتي الأخرى حين كنت على شفير فقدان عائلتي الأولى. خلال سنتين خرجت الحقيقة من سراديبها المظلمة، وواجهت بسببها أعنف الصراعات وأحلك الظروف، وقد قررت ألا أذكر التفاصيل هنا، لأني أعرف أن ما من كلمات ستحيط بحجم الألم الذي انقضّ عليّ من كل جانب، من الأهل والأصدقاء والأقارب، ومن أشخاص لا أعرفهم أصلاً، ممن نصَّبوا أنفسهم حماةً لقيم المجتمع الذي أصبحت أشكل تهديداً عليه.

صمدتُ ونجحت في أن أكون ما أنا عليه، لا ما يريده الآخرون مني، مستمداً هذه الطاقة من تقبلي لذاتي وحبي الشرس لحريتي.

إن تجربتي التي لم تنته تشبه تجارب مثليين آخرين، منهم من قوبل برد أعنف، ومنهم من حظي بظروف أفضل، والمعظم قد قرر البقاء "في الخزانة"، خشية دفع أثمان باهظة مقابل حريتهم، في مجتمع ترتعد فرائضه من هذه الكلمة التي يعتبرها دخيلة، وربما ألصق بها تهمة الاستعمار أو الحرب على الإسلام.

بقي الكثير ليقال عن إشكاليات جسيمة قد واجهتها، مثل "الخروج من الخزانة"، والتضحية بالكثير من الصداقات والعلاقات، وإشكالية التعايش مع العائلة بعد معرفتهم أنني مثلي، ورسم مستقبل جديد، وغير ذلك، وكل واحدة منها تستحق نقاشًا منفرداً، لكني أردت تسليط الضوء على أهمية تقبل الذات في تغيير الواقع، وليس هذا فحسب، بل إن مثليتي قربتني أكثر من إنسانيتي، لأنني أصبحت مع الأيام أكره أكثر فأكثر أي تمييز ضد أي إنسان، إذ حينما وجدت نفسي مختلفاً عن المعظم، شاذاً عن المألوف، وشعرت بألم الاضطهاد، أصبحت أشعر بعمق بماذا يشعر كل مختلف في هذا العالم وفي مجتمعنا بالذات، حتى أصبح كل تمييز ضد أي إنسان بمثابة تمييز شخصي ضدي، ولم يبق عندي شك في أن المجتمع السليم يجب أن يحوي جميع أفراده على اختلافاتهم، وإلا لأصبح مجتمعاً متخلفاً منحطاً.

بسبب مثليتي عرفت أن العدو ليس محتلي فقط، بل إن هناك أعداء منا يحاربون حرية المجتمع تماماً كالمحتل، وبسببهم يستمد المحتل استمراريته وتفوقه. قضيتنا بالنهاية هي قضية حرية، هذه الحرية التي يتناوب على سلبها كل من المحتل الغريب والمحتل القريب، وأي مشروع وطني يجب أن يعمل على هذا التحرير بالتوازي، وإلا كان مشروعاً يغير اسم المحتل فحسب.

صحيح أن مستقبلي الجديد قد فرغ من الزواج وتبعاته، ومن بعض الأحلام الشرقية الأخرى، لكنه امتلأ بعشرات الأهداف التي قد يمضي العمر ولا يكفيني لتحقيقها، وأعرف أنني سأنظر ورائي قبل مفارقتي الحياة وسأشعر بالرضى لأني لم أرضَ الظلم، وقد فعلت ما فعلت لأكون أحد المعاول التي تطرق صرح التخلف الذي لا بد له أن يحطم تحت أقدام إرادتنا، فنحن نستحق الحياة.

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.