فدوى طوقان، سيرة حيّة لشاعرة مضتْ
أنس العيلة

كلّما حلّت ذكرى رحيل أو ميلاد الشاعرة فدوى طوقان، كثرُ النقاش والتساؤل حول مكانة وراهنيّة انتاجها الشعري. هل ما زالت قصيدتها حيّة حتى يومنا هذا ؟

من يقرؤها ؟ وهل تُستعار مجموعاتها الشعريّة من المكتبات ؟ هذه أسئلة مشروعة ودائمة تلاحق كل شاعر في ذكرى غيابه أو ميلاده. فهناك مقاييس تتجدّد كل حقبة وكلّ جيل بتطوّر مفهوم القصيدة والكتابة الشعرية نفسها، بحيث يتم من خلال هذه المعايير المتجددة على الدوام الحكم على شعر الشعراء السابقين لمعرفة إذا ما كانت قصيدتهم قادرة على الاستجابة لقراءة جديدة تفرزها شروط واقع جديد، وإذا ما زالت القصيدة بهذا المفهوم منفتحة و"صامدة" أمام تبدّل الزمان واختلاف الأهواء.

 

فدوى طوقان رافقتْ شعر الروّاد وانخرطتْ في شكل الكتابة الحديثة لقصيدة التفعيلة، وما لا يقبل الشك أنها استطاعتْ أن تحمل رسالة شعر المرأة منذ سنين الأربعينات والخمسينات. فقدّمتْ بصوتها الخاص شعر البوح والاعتراف وطرحتْ قضايا المرأة، وعبّرتْ عن وجدانها والظلم الاجتماعي الماحق الذي تتعرض له في أبسط حقوقها الإنسانية والاجتماعيّة، من خلال شكل شعري جديد ومعاصر في تلك الفترة وبلغة وجدانية تستمد شرعيتها الفنيّة من حركة الشعر الرومانسي التي أثرّتْ على الشعراء العرب المجدّدين في بدايات القرن العشرين. فهي بذلك فرضتْ قضايا المرأة وأسئلتها على الساحة الشعرية في وقت كان يميل فيه المزاج الأدبي العام إلى عالم السياسة وما أفرزه واقعي النكبة والنكسة على الشعب الفلسطيني. وهي بهذا المعنى سبّاقة ومجددّة، لأن اختيار موضوعٍ ما كثيمة في العمل الشعري ليس فقط مجرد جرأة شخصيّة أو تعبير عن موقف اجتماعي بل هو أيضا خيار فنيّ يتبعه الأسلوب وطريقة الطرح وكل ما يجعل من العمل الشعري في النهاية قصيدة متكاملة. فهي إذن سباقة ومجدّدة في لحظة تاريخية ندر فيها صوت المرأة الشعري والأدبي، ومن هنا بالذات تأتي أهمية فدوى وريادتها. كما عبرت عن ذلك سلمى الخضرا الجيوسي في أنطولوجيا  الشعر الفلسطيني المعاصر: "فدوى قد وضعتْ أساسات قويّة للتجارب الأنثوية في الحب أو الثورة واحتجاج المرأة على المجتمع" .

لكن هل مازال شعر فدوى طوقان جزءا من راهن الجدل الشعري في أيامنا هذه ؟

إنها بلا شكّ كانت تجربة مركزيّة في التأسيس لصوت المرأة في الشعر العربي المعاصر، والقضايا التي تطرحها في شعرها مازالت جزءا من راهن اليوم. وبسبب راهنية القضايا التي كانت تطرحها فدوى فهذا يجعل منها تجربة شعرية أساسيّة في كتابات المرأة العربية، بحيث لا نستطيع أن نتتبع تطوّر هذه الكتابة ومنطلقها دون العودة لفدوى. لكنّ من ناحية أخرى، فإنّ البناء واللغة والشكل الشعري لقصيدة فدوى قد تجاوزته الكتابة الشعرية العربية منذ وقت طويل. وقد قطعتْ القصيدة العربية أشواطا بعيدة، بحيث خرجتْ قصيدة فدوى من راهنيّة الجدل والجدال الشعري العربي ولم يعد لها دور بالمعنى الفني في سؤال القصيدة العربية الحاليّة. فقصيدتها تعّبر عن فترة سابقة أو حلقة محددة من تاريخ الشعر العربي المعاصر تجاوزها الشعراء العرب إلى مناطق مختلفة تماما.

بإعتقادي أنّ العمل الأدبي الوحيد بين أعمالها الذي يبقى جزءا من راهننا الأدبي، هو سيرتها الذاتية، لاسيما الجزء الأوّل منها "رحلة جبليّة ... رحلة صعبة". فأهميّة هذا النص لا تأتي فقط من أنه شهادة تاريخيّة وإجتماعيّة لفترة من تاريخ فلسطين المعاصر. وأهميته لا تأتي فقط من أنه كتابة بوح واعتراف وكشف عن حميميّة عالم امرأة يحكمها مجتمع ذكوري وبيت غارق بالتقاليد الإجتماعيّة والقوانين الاخلاقيّة، بل تأتي أهميته من جرأة نادرة في النقد والرؤية لا يُجاريها فيها إلا بعض الكتّاب العرب القلائل، كمحمد شكري. فسيرتها الذاتية تنال من الصورة المقدّسة للأب والأم وتنتقد دوريهما في البيت وتكشف عن عنف نفسي كبير صدر عنهما بحق طفولة فدوى. فالعنف النفسي الذي عبّرت عنه فدوى، وإن كانت قد عبّرت عنه بأسلوب ساخر، إلا أنه يكشف عن هذا الاحساس الماحق بالظلم. فهي الوحيدة بين أخوتها التي لا تعرف تاريخ ميلادها بالضبط. أمها لا تتذكرالتاريخ المحدد لولادة الطفلة فدوى، فالأم تتذكر فقط أنها ولدت فدوى في موسم العكوب وفي الفترة التي مات فيها ابن عمها، لذلك تقول فدوى أنها تستطيع استخراج شهادة ميلادها من شاهدة قبر ابن عم أمها بما أنه مات في فترة قريبة لولادتها ! ثم تتوصل إلى هذه النتيجة بسخريّة مريرة "ووجدتْ أن هناك تشابه كبير بيني وبين صفات برج الحمل... فوضعتْ نفسي في برج الحمل". وهناك أحد أجمل المشاهد في هذه السيرة وهو وصف مشهد تمشيط الأم لشعر فدوى عندما كانت طفلة في ساحة البيت قبل الخروج للمدرسة، بحيث كانت ترى في الجهة المقابلة لبيتها بنت عمها تجلس على كرسي لتمشط لها أمها شعرها بكل رقة ونعومة وتمرّر يدها بكل رفق على جدائلها. في هذين المشهدين الصباحيين المتقابلين والمتناقضين، تتضح لنا جوانب طفولة فدوى من خلال مشهد يبدو كأنه مشهد سينمائي. ولهذا تعترف فدوى، التي تسببتْ وردة طفل مهداة إليها في الشارع إلى حرمانها نهائيا من الذهاب إلى المدرسة، في سيرتها "أنّ الاحتلال الإسرائيلي أرجع إليّ الإحساس بنفسي ككائن اجتماعي".

 

وتميّز هذه السيرة يأتي أيضا من تعبيرها عن رؤية وموقف من الوجود ومن الواقع المحيط بها والذي يتحوّل نتيجة الضغوط الهائلة إلى عالم غريب تخلق فدوى بينها وبينه مسافة قابلة للتمدّد والتقلص حسب حاجتها النفسيّة، كما تعبّر عن ذلك في أحد أكثر الفقرات إدهاشا في كتابها :

" لم تكن قدرتي على الانفصال من عالم الواقع شيئا جديدا. فمنذ طفولتي كنت آوي إلى شجرة في الدار وأمضي أركّز نظري على إبهام يدي اليسرى دون أن يطرف لي جفن. كنتُ أركّز النظر باستغراق كبير حتى يصل إلى درجة يصبح فيها ابهام يدي وبالتالي يدي كلها غريبة عني، خالية من كل دلالة أو معنى، شيئا لا علاقة لي به إطلاقا، ثم أصبح أنا نفسي غريبة عن نفسي، وأظل أكرر في تفكيري الصامت هذا السؤال : من أنا ؟ من أنا ؟ وأردّد اسمي في تفكيري عدة مرّات. ولكن اسمي كان يبدو لي غريبا عني ولا يدل على أيّ شيء. وهنا كانت تنقطع صلتي باسمي وبنفسي وبكل ما حولي، وأغرق في حالة غريبة جدا من اللاحضور واللاشيئية.

فإذا رفعتُ بصري عن ابهامي ونظرتُ حولي عدت إلى نفسي وإلى العالم الخارجي، مغتبطة بإمتلاكي القدرة على الخروج من نفسي بهذا الشكل الغامض ثم العودة إليها". (رحلة جبلية...رحلة صعبة ص 59)

 

هذه الفقرة تعبّر عن رؤية وموقف من الوجود المحيط، وتعتمد على تقنية مبدعة لطفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها في ذلك الحين للتأرجح بين عالمي الذات والواقع، فهي تحاول الخروج من نفسها للدخول إلى الواقع، ومن ثم الخروج من الواقع للدخول إلى نفسها. وتعبّر هنا أيضا عن قدرتها على تحويل جسدها إلى كائن غريب، وتحويل الواقع من حولها إلى وجود غريب، والتأرجح بالتالي بين عالمين منفصلين. لذا إنّ هذه السيرة تتخطى قضية الفتاة والمرأة إلى حالة فلسفية وموقف من الوجود المحيط بتغريبه وإقصائه عنها وخلخلة مكانة الذات نفسها.

نستدل مما سبق أنّ فدوى كانت مُجدّدة في كتابتها الشعرّية من خلال تطرقها لمناطق معتمة في كتابة البوح والاعتراف والتعبير بكل جرأة عن قضايا المرأة ووضعها الاجتماعي. وأنّ تجربتها الشعرية هي مرحلة نعود إليها، حلقة من تاريخنا الشعري، وتجربة موحية وكاشفة لدارسي بدايات الشعر العربي المعاصر. أما سيرتها الخلابة، فهي تبقى راهنا أدبيا قادرا على كشف نفوسنا وإضاءتها، وسيبقى هذا النص حيّا لوقت طويل وسيغني تجربة أجيال قادمة. هذا ليس تهميشا لتجرية شاعرة كبيرة في واقعنا الراهن، إنه محاولة تحليل لدورها ومكانتها. وقد يحلو لبعض الشعراء أحيانا مقارنة قصائدهم اليوم بقصائد فدوى طوقان، خارجين باستنتاج سهل في أنّ قصائدهم تجاوزتْ قصائد فدوى الغارقة في الوجدانية والشجن وبالتالي ربما يحكمون بشكل تعسفي على تجربتها، هذه بلا شك مقارنة غير متوازنة بين تجربة شاعر في الخمسينات والستينات وتجربتنا اليوم. إنّ المقارنة الحقيقيّة هي بأن نسأل أنفسنا كشعراء : هل نحن الآن مجددّون في شعرنا كما كانت فدوى وشعراء تلك الفترة الكبار مجددّين في أشعارهم ؟ هكذا يستقيم السؤال وهكذا تكون الإجابة أكثر صوابا، وهكذا نعطي لكل ذي حقٍ حقه !

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.