رسالة من سجن عوفر..
علا أبو الرُّب

إلى صديق أعرفه:

يا وليد، لم أعد أشعر بهذا الجسد، حتى أن الأفكار في رأسي مخدرة،

لكنك تمر كطيف بعيد، وتبعث في النفس رغبة بالكلام،

إنني متعب حد الانتهاء، لكنني سأقول أشياء عالقة في حنجرتي و تحرقها، اسمعها، فإنني لن أستطيع كتابتها:

 

 

أحادثك و أنا ملقىً في قبر يورم جسدي المتعب، و رأسي ملتصق بقاعه، لكن لا، ليس يشبه الذي تخيلتَه الآن، يملؤه صمت يبعث للجنون لولا صنبور الماء المعطل و رائحة المرحاض التي تضغط نفَسي و المكان، و من شباكه، يظهر شروق الشمس من مكان بعيد، بعيد جداً إلى ألا يصلني نورها، أو أنها هي أيضاً خانت وباعتني للظلام، فطال الليل إلى اللانهاية..

لكن، متى كانت البداية! متى أصبحت معطوباً تماماً بعد أن كنت أسد الكر و الفر؟! متى أصبحت رأساً كبيراً لا يحمل غير الماضي و الذكريات، لا حاضر له ليعشه و لا مستقبل يمضي إليه!

يمر الآن شريط الأيام، التي أصبحت بسرعة، ماضياً يبدو بعيداً  جدا، أرى رجلاً، بعضه أو حتى خيالات منه، مثل الشبح، يقاتل كتيبة كاملة، بالسلاح مرة، يصيب معظمهم، و يفرّ منهم كأنه سهم الرمح أو أسرع، تستطيع يده بطش أشد الجنود دون أن يشعر بالألم، يمضي زمانه بين تحضير قنبلة و تفجير أخرى، رجل استطاع تحويل هدوء الربيع لموت يطارد أعداءه، ذاك أنا، إنه أنا! ثم أنظر إلي الآن، و أرى جثة تملّكها الخدر منذ وقت بعيد، لم أعد أعدّه، العضلات المنتفخة، تقلّصت، ذابت واختفت، و حل محلها جلد ضعيف يغطي عظاماً هشة تكسرت في التحقيق مرة أو مرتين، و إن هذا الرأس الكبير الذي اعتاد التدبير دائما، صار مثقلاً بأفكار حول كل شيء، و صرت أحسّ بالموت يضرب جذوره في الروح و لا يقتلعها، ينمو و يكبر بجانبها و معها، و لا يبدو أنه يريد أن يغادر قريباً..

إنه الموت لا محالة، لا يمكن أن يكون لتحقيقهم مرادفاً آخر غير الموت، وتظل جاهلاً به مهما عرفت عنه حتى تجربه، هكذا،

يعيش المرء في مرحلة الاعتقال أقسى الأوجاع التي تجعل الصراع مع الوجود صعبا أو مستحيلاً أحياناً، هذا ما لمسته عندما رأيت الموت في التحقيق و الزنزانة، و قد رأيته كثيراً، لقد نظرت إلى داخلي كثيراَ أودعها ظناً أنه الرحيل، و بالرغم من أثره علي، إلا أنني لم أذكر من تفاصيله الكثير، مع أنني أؤمن أنه حقيقة هائلة و ندبة كبيرة و جرح لا قاع له. وإنني أشعر في هذه اللحظة، أن تطفل صوت الصنبور على صمت المكان لم يكن لغير هذا الغرض، ليقول ما علي أن أظل محتفظا به تماماً كما علي أن أتجاوزه كي أستطيع البقاء، إن هذا الصنبور يقول لي شيئا مع كل قطرة، يقصّ عليّ الأحداث التي أسمعها كأنها قصص شخص لا أعرفه، و قد تعمدت فعل هذا، فقد حاولت في غرفة التحقيق السفر لأماكن تشبه جنة أشتهيها ولا أعرفها، و تركت لهم هذا الجسد فعلوا به كل تعذيب استطاعوه، لكنه أقصى ما تمكن بطشهم منه.

قول الصنبور، و أنا أسمعه: دخل المحقق مرات كثيرة، لكن أشدها ثلاث مرات:

في الأولى ذكر أسماء أذكرها جيداً، و عرض صوراً أعرفها كما أعرف نفسي وأكثر، و لكننا أنكرنا بعضنا باحتراف، عرفت كما عرف أصحابها كيف يلغي المرء حقائق أشد من حقيقة وجوده، ضربني بيديه و بسطاره، ونزفت سنّاً علوياً..

في اليوم الثاني قصّ علي أحداثاً سببتها، و ذكر أرقاما أخفيت أصحابها عن أرض فلسطين، لكنني ظللت مغيّباً نفسي عنهم لا أسمع ولا أعي ما يقول، يومها كسر ساقي اليسرى و اقتلع اظفري من إصبع البنصر من جذوره، لكنني ما كنت لأقول أي شيء، سلمتهم جسدي و سافرت من جديد..

في الثالثة كان الحكم صادراً، ثلاثة مؤبدات، و كنت قد أمضيت منها عامين، لكن عملية في مكان ما بينت نتائجها أنني على علاقة فيها فتم استجوابي من محقق آخر، و فيها فقدت السمع من أذني اليسرى..

هذه إذن أيها الصنبور! فلتعلم، لم أنسها، بل دفنتها بقدمي و بللت فوقها دمعاً ثقيلاً، مثلها أو أثقل..

أما أنت، فأريدك أن تعرف يا عزيزي، أنني، وبالرغم من كل شيء قلته لك، أنا بخير.. فهنا دعوة للحياة تكبر نداء الموت بكثير.. إنهم الأخوة في هذه السجون، فقد دخلت سجن مجدو أولاً، منهار القوى، يد مكسورة و سن مكسور و اظفر مسروق من جذوره و جسد ممتلئ بالهزال نتيجة الضرب المستمر والعنيف، و كله لاقى علاجاً بدائياً و ضعيفاً ومتأخراً، لكن العزيمة التي وجدتها بين أخوتي في ذلك المكان، على اختلاف انتماءاتهم، عالجت أوجاع روحي، و خففت آلامي رغم سوء حالتي مع مرور الوقت، و إنه شعور عظيم ومؤسف في عين الوقت، فالنعمة التي قاتلنا من أجلها خارج السجن نجدها داخله صنيعة الظروف و المواقف، لقد كانوا، وكنا كلنا، نقف وقفة واحدة مع أي أخٍ يمر في محنة، لكن ذلك لم يُغنِ أي منا، لحظة واحدة، عن مسحة الأهل على هذه الآلام..

يوجد الكثير من الأشياء التي تقال وتسمع في السجن، إلا أنها مرحلة يغلفها و يملؤها الصمت، لقد كان داخلنا صامتاً، و اتجاعنا صامتاً، خُلِقَ فراغ كبير ويتسع مع الوقت، لكن الصمت الذي ينطقه العارفون، كان يخلق صرخة تشق قلوبنا و تصدعها.. و هذا كان أشد الصمت و أمرّه علينا..

.....

ماذا أقول لك بعد؟! أرغب ببكاء شديد جداً... لو تعرف، لو تشعر! ..

فها أنا في الزنزانة للمرة التي لا أستطيع تحديدها بعد جولة تحقيق مميتة، لقد توجب علي أن أعتاد بعد كل هذه الجولات المتتابعة، لكن اختلافها و تنوعها يجعلها أقسى من اعتيادها..فقد نالت، كعادتها، من طاقتي للتحمل، ورغبتي في النهوض، وتغلبت على وعيي بأكمله، فها أنا طريح في قاع قبر يورم جسدي المتعب، تقريباً، يشبه الذي تخيلته الآن، يملؤه صمت يبعث للجنون لولا صنبور الماء المعطل، و رائحة المرحاض التي تضغط نفَسي و المكان، و من شباكه، يظهر شروق الشمس من مكان بعيد، بعيد جداً إلى ألا يصلني نورها، أو أنها هي أيضاً خانت وباعتني للظلام، فطال الليل إلى اللانهاية..

صدقني، لست أخشى أن تكون نهايتي هنا، لكنني أخشى أن تشيعوني بالصمت، أنت على الأقل، ألق شعاراً واحداً من أجلي..

لم أعد أستطيع قول المزيد، أتمنى لكم كلكم الخير والرخاء..

قباطية، جنين..

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.