عن الموت، صديقاً..
أيمن حسونة

لا أحد يرغب بأن يموت، ولا أحد يرغب بأن يمر الموت بجانبه.

كثيرة الدراسات التي حاولت فهم طبيعة الموت

والمكيانيكية التي يعمل بها، في محاولة جادّة لإيقافه أو تأخيره على الأقل. تُنتج هذه الدراسات على الأغلب، نظريات عامّة، فضفاضة ولا تُعطي حلاً ناجعاً واحداً لإيقافه، وهو الطبيعي إذا ما سلّمنا بأنَّ الدورة الطبيعية للكائنات الحية جميعها تنتهي بالموت.

 

ومما زادَ الموت غموضاً، هو ما ألقتهُ الخُرافات الدينية على اختلافها من بشاعةٍ على الحدث ذاته، فأضافت الكثير والكثير من الأساطير حول العقاب والثواب مابعد الموت، والجزاء الذي سيتلقاه الإنسان حالَ موته عملاَ بما عَمِلَ خلال حياته، وهذه أيضاً، لم تثبتها الدراسات بأي شكلٍ كان.

نتجنب نحنُ بطبيعتنا، الحديث عن الموت كصديق، لا بد منه في نهاية الأمر، يأتينا رغماً عنا، ورغم كل محاولاتنا اليائسة في إبعاده عنّا، يمسّنا، يضربنا، ثقيلاً، سريعاً ويمضي، يأخذنا أو يأخذ شخصاً قريباً علينا كان هنا قبل قليل.

بحثتُ كثيراً عن دراسةٍ تأخذ الموت من هذه الزاوية، لكن الخوف الذي يتملكنا من ذكر اسمه شكّل سبباً كافياً  على مايبدو كي لا أجدَ الكثير عن هذا الموضوع، حتى أننا وخلال جلساتنا العادية، إذا ما جاء أحدٌ ما على ذكر الموت، تشتعل الألسنة بـ"فكّونا من هالسيرة..خلونا مبسوطين" أو "بعيد عنكم، من غير شر عليكم..".

أن نُصادق الموت أو نتكيّف معه ليسَ أمراً سهلاً، ومهما كنّا مستعدين له، تبقى له تلك العتمة التي يغطينا بها، يكسرُ فيها جزءاً من محيط دائرتنا، ويتركنا نحاول إعادة خَيط هذا الرتق المفاجئ والقاسي الذي يُحدثه.

مأساتنا دائماً تبدأ بعد وقوع الموت، كأنهُ المنبه الذي يفتح أعيننا المفتوحة أصلاً،  يعضّنا الندم بأننا لم نقض وقتاً طويلاً مع الغائب هذا أو ذاك، أو نتأسف على فرصٍ ضاعت لنكونَ في مكانٍ ما، في وقتٍ ما، مع شخصٍ ما، لم يعد بإمكاننا أن نجلس معه مرّة أخرى. نتحججُ دائماً بأننا مشغولون، لا وقتَ لدينا، نحاول أن نؤجل ذاك الالتزام لوقتٍ آخر، ونستبدلهُ بتسليةٍ ما، وتسلية أخرى بعدها، فتضيعُ منّا الفرصة.

مايزيدُ الموتُ بشاعة، هي تلك الطقوس التي تعقبه، تعبٌ وإرهاق واستنزافٌ لكل طاقاتك لكي تجد في المقابل مظاهرَ حزنٍ خادعة (نفاق إجتماعي على الأغلب) تترافقُ وكلمتي "الله يرحمه". وبهذه الطقوس التي عادةً ما تستمرُ لثلاثةِ أيامٍ يعقبها الأربعين ثم السنوية وهكذا، نحتفلُ بالموت بطريقةٍ تبدو وكأنها تستجدي الحًزن، وننسى دائماً أن نحتفل بالحياة ذاتها.

الموتُ كصديق هو تعبيرٌ مضادٌ "لغولِ" الموت الذي يُفزعنا. فلماذا لا نُقيمُ حفلَ استذكارٍ لما كان الميتُ يُحب بدل أن يُرهقَ الجميع في حلقةِ بكاء متواصلة لن تُفيدَ في شيء؟ ولماذا لا يكونُ عنوانَ هذا الجَمع هو احتفالٌ بما أنجزَ الميت خلال حياته، ولو كانَ إنجازه بسيطٌ كأي شخصٍ عادي، فيكفيه فقط أنَّهُ تحمّل أعباء هذه الحياة.

حين يموتُ شخصٌ مشهور نُقيمُ له حفل تأبين بعد إنتهاء طُقوس العزاء، بعد أن نمرَ في السلسة الطويلة المرهقة بُحكم عاداتنا وتقاليدنا، وطالما أننا كبشر وضعنا هذه العادات، فبإمكاننا أن نُغيرها شيئاً فشيئاً ونحوّلها إلى شيءٍ أكثر  لُطفاً بنا، وأكثر معنى للموت ذاته.

الكثير من بيوت العزاء حالياً صارت مدعاة فخرٍ وتباهي بين الناس، فعدا كلفتها المادّية العالية، تكادُ لا ترى فيها إلاّ الكثير والكثير من النفاق الاجتماعي الذي ينخرنا في مقابلِ حاجّة الكثير من الناس لعُشر هذه الأموال التي تُنفق على هذه المظاهر.

دائماً ما ندّعي أننا نحتفلُ بالحياة، وما أحوجنا لهذا الإحتفال اليوم تحديداً وسط هذا الموت الكثير الذي يُحيطُ بنا، لكننا وعند أولِ حادثةٍ ننسى كل ادعائنا ونخضع له، نخضعُ للموت ونستسلم.

في زيارةٍ ما لبيتِ عزاء، لفتني ما إنشغلَ به الجميع، حيث كانوا يتحدثون عن كل شيء إلاَ الميت، نسوا ما أحب وما رغب وما أراد وما كافح له خلال حياته، وانشغلوا جميعاً بسجائرهم وأحاديثهم المهترئة فما كان منّي إلا أن أدرت وجهي لمن كان معي وقلت له: "بس أموت، تعملوليش عزا وتجمّعوا الناس زي هيك، بتيجو عندي عالبيت، بتشغلوا موسيقى هادية، بتطفّوا الضواو، وبتحكو القصص الحلوة اللي عشناها سوا، وبتصبّولي كاس معكم، إحنا ولاد حياة مش ولاد موت!"

 

عمّان - فلسطين

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.