أدوات السيد
بقلم ديانا بطو

لا يوجد وضع قانوني سخيف في اي مكان في العالم كما هو الحال في القدس. منذ ما يقرب من 50 عاما، اضطر الفلسطينيون إلى اللجوء إلى استخدام محاكم إسرائيل

باعتبارها الوسيلة الوحيدة المتاحة في الحالات التي إما يسعون فيها الى الإنصاف أو الأمل لمنع تجاوزات إسرائيل. وجاء استخدام المحاكم الإسرائيلية بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، عندما ضمت إسرائيل على الفور أكثر من 71 كيلومترا مربعا من أراضي الضفة الغربية الفلسطينية إلى القدس إضافة الى توسيع حدود المدينة لتشمل الأجزاء التي تم ضمها بشكل غير قانوني. وقد أعلن موشيه دايان، وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت بأن "قوات الدفاع الإسرائيلية قد حررت القدس. لقد قمنا بإعادة توحيد المدينة الممزقة، عاصمة إسرائيل ... (ونقسم) بأن لا نبتعد عنها مرة أخرى". وبعد اثنان وعشرون يوما بتاريخ 27 حزيران 1967، أصدرت الحكومة الإسرائيلية مرسوم قانوني إداري نص على توسيع القانون الإسرائيلي ليشمل ولاية وإدارة القدس الشرقية العربية المحتلة حديثا. وقد وضع الضم ثلاثين قرية فلسطينية ومخيم لاجئين تحت ولاية بلدية إسرائيل. بهذا الضم وسعت إسرائيل تطبيق القانون الإسرائيلي على المنطقة، وأصبح الفلسطينيون الذين يعيشون داخل الحدود البلدية للمدينة خاضعون للقانون الإسرائيلي، على الرغم من الإدانات الدولية المعارضة. وقد اضيفت القدس الغربية إلى القدس الشرقية الموسعة حديثا، وبذا خلقت وهم "القدس غير المجزأة". لكن نظرا لعدم وجود ضغوط سياسية على إسرائيل، لا يزال هذا الضم غير القانوني قائماً، مما يضطر الفلسطينيون إلى إيجاد وسائل أخرى للكفاح من أجل حقهم في العيش بكرامة في وطنهم ومدينتهم.

 

 

لكن على الرغم من أن إسرائيل تريد الأرض الفلسطينية، إلا انها لا تريد الفلسطينيون على تلك الأرض. ومنذ ضمها من جانب واحد، استثمرت إسرائيل جهدا كبيرا في الحفاظ على ما تسميه "التوازن الديموغرافي" في القدس، وهو ما يعني تقليل عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في المدينة مع الحفاظ على أغلبية يهودية بنحو 70 في المئة، مع أن الأعداد والأرقام تباينت واختلفت على مر السنين. يناضل سكان القدس الشرقية للحصول على حقهم في مواصلة العيش في مكان ولادتهم الذي عاشت به عائلاتهم لأجيال. على الرغم من ذلك، يُجبر الكثير منهم على مغادرة المدينة بسبب سياسة إسرائيل المستمرة للتمييز والتي تشمل، من جملة أمور، رفض او الغاء الصفة (القانونية)، والقيود الصارمة على بناء المساكن، وانعدام توفير البنية التحتية المناسبة، وانخفاض مخصصات الميزانية للتعليم، والضرائب الباهظة على الأملاك.

 

التقاضي الذي بدأ قبل 50 عاما بوصفه وسيلة لمحاولة دعم حقوق الشعب الفلسطيني في نظام المحاكم الإسرائيلية، تحول الآن أمام تلك المحاكم إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على تلك المحكمة، لكونه لم يؤد إلا إلى تقويض هذه الحقوق. وتبقى القشرة الخارجية " لقانونية" الإجراءات فقط لهؤلاء المراقبين غير الرسميين خارج النظام القانوني الإسرائيلي، لكن بالنسبة لأولئك الذين عملوا ضمن النظام عبر السنوات الخمسون الماضية، فقد أثبتوا فقط بأن الفلسطينيين لا يستطيعون الحصول على التعويض في إطار النظام القانوني الإسرائيلي.

 

اليوم، يجب على الفلسطينيين في القدس الشرقية استخدام نظام قانوني يلفظ أحكامه بلغة المحتل؛ وعليهم أن يدافعوا عن حقوقهم في البقاء في منازلهم ووطنهم، وأن يُعاملوا تماما كما يعامل المهاجرين في مكان ولادتهم ونسبهم، ويجب أن يلتمسوا أمام القضاء الذي هو امتداد للحكومة التي تسعى إلى استبعادهم. يعتبر هدم المنازل، وسرقة الأراضي، وطرد سكان القدس الشرقية الأصليين أمر "قانوني" من قبل هذه المحاكم. إن استخدام هذه المحاكم شائع جدا حيث انني كثيرا ما أسمع الناس يقولون النكات عنها بأن كل فلسطيني في القدس الشرقية لديه رقم محامي مدرج في قائمة الاتصال الهاتفي السريعة في هواتفهم. يمكن للمحامين أن يمتعوا الأصدقاء بقصص الرعب - من قصص عن العائلات التي تحتاج للخضوع لاختبارات الحمض النووي لتسجيل أطفالها الى أسر جرى دحرها لصالح الاستحواذ الاستيطاني. كثيرا ما أجد نفسي اشرح عبثية سياسات إسرائيل للأصدقاء الذي الذين لا يصدقون، حول امور مثل سياسة عدم السماح للأزواج الفلسطينيين من الضفة الغربية أو قطاع غزة بالإقامة في القدس الشرقية، وحتى عندما تتاح لهم الفرصة الضئيلة بالإقامة في القدس الشرقية، فإنه لا يمكنهم الحصول على رخص القيادة أو الحصول على التأمين الصحي بسهولة، وأنهم لا يستطيعون السفر عبر المطار مع أسرهم، وهلم جرا. وقد أيدت المحكمة جميع هذه القواعد بشكل ما.

 

في خضم هذا الصراع تأتي المنظمات غير الحكومية التي تعمل جاهدة لإيجاد حلول للمشاكل الحقيقية والمعقدة جدا التي يخلقها الاحتلال الإسرائيلي ورغباته الاستعمارية ضد القدس. مع الموارد المحدودة والمتناقصة، ظلت المنظمات غير الحكومية في الطليعة تحاول الحفاظ على الحقوق الفلسطينية والوجود الفلسطيني في مدينة القدس. على الرغم من أنها لم تكن ناجحة دائما، إلا انها (المنظمات غير الحكومية) قضت ما يقرب من خمسة عقود تعمل على دحر المخططات الإقليمية والديموغرافية لإسرائيل. لكن وبرغم جهدها الدؤوب، لن تكون قادرة أبدا على إبطال حكم إسرائيل، كما كتبت أودري لورد ذات مرة: "لا يمكن لأدوات السيد ان تهدم منزله. فقد تسمح لنا أن ننهال عليه بالضرب مؤقتا في لعبته هو، لكنها لن تمكننا ابدا من إحداث تغيير حقيقي". بالفعل، إن التغيير الحقيقي للفلسطينيين لن يأتي في نهاية المطرقة بل من خلال الضغط الدولي المتواصل المطالب بوضع حد لأحكام إسرائيل القمعية. والى ان يحين ذلك الوقت، سيظل العالم يتظاهر بأن النظام القانوني في إسرائيل هو نظام عدل؛ لكن بالنسبة لنا كخاضعون لهذا النظام، فإننا نعلم حقيقته: إنه نظام ظلم.

 

وصف موجز: يمكن للفلسطينيين من القدس الشرقية محاولة منع أو طلب التعويض من خلال المحاكم الإسرائيلية عن الأخطاء التي تنتهك حقوقهم الأساسية. ليس لديهم أي وسيلة أخرى. إلا أنه وعلى نحو متزايد، اصبح مثل هذا التقاضي لا معنى له لأن قرارات المحاكم  في الغالبية العظمى من الحالات تكون في صالح الحكومة الإسرائيلية.

 

* ديانا بطو هي محامية وباحثة فلسطينية تقيم في حيفا. عملت سابقا كمستشارة قانونية لفريق منظمة التحرير الفلسطينية المفاوض و للسلطة الفلسطينية لاحقا.

التصويت