الاستقلال القضائي من أعمدة الدولة
بقلم ابراهيم البرغوثي*

إن وجود نظام قضائي فعال ومهني ومستقل هو حجر الزاوية في سيادة القانون والفصل بين السلطات والديمقراطية نفسها. يستوجب القضاء النزيه والفعال والمستقل

رؤية الوظائف القضائية على انها حق مجتمعي - يُتخذ لدعم الفرد والمجتمع – وهو بالتأكيد ليس للسعي لتحقيق مكاسب شخصية.

 

 

في حين يعتمد النظام القضائي المستقل والفعال على العديد من العناصر، هناك ستة مبادئ أساسية ترتكز عليها جوانبه الأساسية كأساس لدولة قادرة على أداء مهامها – وهي المبادئ التي تنطبق على دولة فلسطين على نحو سليم بالرغم من ظرفها التاريخي المعقد.

 

الأول هو مبدأ الفصل بين السلطات الذي يميز الديمقراطيات الحديثة. يختار الشعب ممثليه التشريعيين بالاعتماد على نظام حكم برلماني، ويحملهم مسؤولية سن القوانين لصالحهم. تعين السلطة التشريعية مسؤولين لتشكيل مجلس الوزراء الذي يشكل جزءا من السلطة التنفيذية يكون مسؤولاً عن سن القوانين والتشريعات - أيضا نيابة عن الناخبين - تتم العملية حسب الأصول الأساسية للحكومة التي تضم الوزارات والإدارات، وهيئات الإنفاذ. ويكون الإشراف على تطبيق القوانين تحت السلطة القضائية التي تراقب سيادة للدولة، وتهدف إلى ضمان شرعية الإجراءات - التي تقوم بها الجهات الحكومية وغير ذلك - وفقا للضمانات الدستورية.

 

يسمح الفصل بين كل من "ركائز" الدولة تلك للضوابط والتوازنات على السلطة – بحيث تنفذ كل سلطة واجباتها ضمن معايير محددة دون التعدي على الآخرين، مع ضمان الضوابط والتوازنات ضد الهيمنة المحتملة التي تمارسها السلطة التنفيذية. بغير هذه الطريقة، لا يمكن ان تنشأ السلطة وتحتشد الفروع الثلاثة قاطبة في تعاون وثيق (يشوبه التوتر في بعض الأحيان!) من أجل تحقيق الهدف الديمقراطي لحماية المصلحة العامة والتمسك بالحقوق الفردية الجماعية.

 

والثاني هو مبدأ الرقابة القضائية على تطبيق القانون. لتحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي والحفاظ عليهما  امام السلطتين التشريعية والتنفيذية - وكلاهما ذات طابع سياسي – يعمل القاضي وهيئة المحلفين على إدارة الصراع بين الأفراد أو بين الأفراد والسلطة التنفيذية بشأن الطريقة التي يُفرض بها القانون.  فالمرافعة أمام القاضي، والوصول إلى المحكمة يعتبران من الحقوق الأساسية والمشروعة التي لا يجب التلاعب بها. على هذا النحو، فإن الرقابة القضائية هي التعبير النهائي عن سيادة القانون وهي التي تشكل المعايير الأساسية للديمقراطية – وعند اصدار حكم الهيئة القضائية، لا يمكن للهيئة التنفيذية اتخاذ إجراءات تتعارض أو تتحدى الحكم. بهذه الطريقة، يلتزم جميع المواطنين في الحفاظ على حقوق الآخرين وفقا لأحكام القانون كوسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار.

 

المبدأ الثالث هو الاستقلال الكامل للسلطة القضائية بوصفها مظهرا من مظاهر السيادة تحظى بالحماية وتكون معزولة عن السلطتين الأخريين في الدولة من أجل أداء عملها بحيادية. وبعملها بمعزل عن الجماهير، من الضروري أن يُستبعد القضاء من الإشراف المباشر على الشعب – بمعنى انها هي مصدر السلطة. تتحقق الرقابة على العمل القضائي من خلال الوسائل القانونية الأخرى التي تشمل المحاكمات العلنية، والحكم العام والتفتيش القضائي (تقييم ومراجعة الأداء القضائي)، والبنية التحتية لمكافحة الفساد.

 

يحدد المبدأ الرابع الوظيفة القضائية باعتبارها حارس الأمن الاجتماعي والسياسي. وتتحدد هذه العملية من خلال الفصل الكامل للانتماء الحزبي السياسي من الوظيفة القضائية. وإذا ما تم اختراق هذا الخط، لا يمكن للمرء الحديث عن وجود سلطة قضائية مستقلة قادرة على معالجة النزاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية - ظروف تهيء للفساد وتنفيذ "شريعة الغاب" مما يعرقل سيادة القانون، والمساس في نهاية المطاف بتطوير الدولة نفسها. ويصبح النظام في الواقع عرضة للسماح للذين يحرسون القانون في سبيل خرقه، ويزداد الأمر خطورة إذا ما شمل ذلك القضاة أنفسهم.

 

ينص المبدأ الخامس على الحماية الدستورية لاستقلال القضاء والقضاة. بشكل لا لبس فيه، يجب أن يترك القضاة للقيام بعملهم دون خوف أو تهديد أو تدخل، في بيئة مستقرة تضمن لهم أمنهم. وهذه الحماية هي الجانب المتبادل من الثقة في استقلال القضاء، وبينما يُنظر الى القضاة على انهم بشر وعرضة للخطأ، يستمر الحفاظ على الايمان الشامل في وظائف الاستئناف والتفتيش من خلال استمرار مراقبة الخطأ البشري. تقسم أنظمة التقاضي الحديثة العملية القضائية الى "نظامية" و "استئناف" من أجل تشجيع التدقيق في الأداء القضائي والقرارات، وإبقاء القضاة على اطلاع بالمعايير واللوائح.

 

المبدأ السادس يتعلق بفعالية مهنة المحاماة واستقلالها. فالمحامين هم "اليد اليمنى" للقضاة في تطبيق العدالة والتأكد من سيادة القانون من خلال ضمان الحق في الدفاع الفعال، وحماية الحريات، والمحاكمة العادلة، وحماية المساواة للجميع أمام القانون.

 

بالنسبة للفلسطينيين، فإن ضمان الالتزام بالمبادئ الستة  المذكورة اعلاه يستوجب توحيد الهيئتين القضائيتين الموجودتين - في غزة وفي الضفة الغربية. إن إبطال الأثر المدمر للانقسام السياسي على القضاء يتطلب رؤية مشتركة وعمليات موضوعية، وتوحيد للأدوات والآليات لبناء سلطة قضائية واحدة وموحدة قادرة على العمل في جميع المناطق وبالخصائص التي ذكرت أعلاه.

 

حاليا، أنقصت الاعتبارات السياسية والتنفيذية والإدارية من حيادية السلطة التنفيذية، إضافة الى غياب واضح للإرادة السياسية لإقامة ولايتها القضائية الفعالة والعادلة للفلسطينيين. لقد أصبحت السلطة التنفيذية متشابكة مع القضاء باعتبارها محطة خدمة إدارية بدلا من أن تكون ركيزة لحماية القانون والحقوق. وقد ادى هذا الواقع الى فقدان الثقة في القضاء والمساس بمبدأ الاستقلال القضائي.

 

من هنا، الى اين الاتجاه؟

 

محليا ودوليا، يجب أن يتواصل الدفع باتجاه إجراء انتخابات عامة لرئيس ولمجلس تشريعي جديد. وعلى المجلس التشريعي المنتخب ان يقوم بالدعوة لعقد مؤتمر وطني للمجتمع المدني والأكاديميين وممثلي المجتمع المحلي لتشكيل لجنة وطنية من المختصين المؤهلين مهنيا والمستقلين وغير المتحيزين والذين، بموجب مرسوم رئاسي، يُعهد اليهم بمهمة تقييم النيابة العامة وهيئات إنفاذ القانون القضائية أخرى، بحيث يبقى المؤهلون في المنصب، بينما يتم نقل الآخرين إلى وظائف حكومية بديلة أو يتقاعدون مع الإبقاء على امتيازات التقاعد الخاصة بهم. ولدى فحص وتمحيص القضاة الحاليين، تقوم اللجنة بمهمة اختيار القضاة لشغل الوظائف الشاغرة. وتكون قرارات اللجنة بخصوص التعيينات سارية المفعول من تاريخ صدورها وغير قابلة للطعن. بعد ذلك يتم منح اللجنة صلاحية اقتراح تعديلات على القوانين القضائية التي تراها ضرورية، ليتم الموافقة عليها من قبل المجلس التشريعي والمصادقة عليها من قبل الرئيس. لدى إنجاز هذه المهمة، يتم تشكيل مجلس القضاء العالي وفقا لأحكام القوانين القضائية ذات الصلة.

 

وصف مختصر 1: تتطلب الطريقة السريعة والقابلة للتطبيق التي يمكن من خلالها توحيد وإعادة بناء السلطة القضائية والنيابة العامة من أجل تقديم خدمة أفضل للفلسطينيين كخطوة أولية إجراء انتخابات عامة للمجلس التشريعي والرئيس.

 

ستكون المهمة بعد ذلك تشكيل المحكمة الدستورية. وتقوم اللجنة بمراجعة أداء المحكمة الدستورية، وكذلك تقييم مشروع القانون نفسه وضرورة إنشاء المحكمة. إذا لزم الأمر، يتم مراجعة القوانين ذات الصلة واقتراح التعديلات لضمان استقلال المحكمة قبل تشكيلها. ومن ثم يطلب المجلس التشريعي من الرئيس المصادقة على المحكمة الدستورية. وأخيرا، تنظر اللجنة في القانون الإداري الذي ينظم وظيفة الحكومة لضمان إقامة نظام تقاضي ذو مستويين في محاكم الاستئناف. وبالمثل، تُحال قرارات اللجنة إلى المجلس التشريعي لإقرارها وللرئيس للمصادقة عليها.

 

وصف مختصر 2: مع الأخذ بالاعتبار فترة الانقسام السياسي الطويلة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والحقيقة المؤسفة أن الانتخابات العامة لم تتم وليس من المرجح أن تجري في المستقبل المنظور،هناك ضرورة وطنية ملحة لإعادة بناء وتوحيد القضاء.

 

بعد سنوات من الانقسام السياسي في دولة فلسطين، أصبح حقا وطنيا على منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية تحقيق التوافق والإجماع، ودعوة اللجنة الوطنية لاتخاذ الاجراءات اللازمة للمصالحة وتوحيد القضاء. ويجب ترسيخ الحياد في اللجنة - سواء كان ذلك متعلقاً بالانتماء السياسي، أوالتمسك الإقليمي، أو الترابط الأسري - والتمحيص المكثف في إنشاء السلطة القضائية. فقط بهذه الطريقة سوف تتغلب دولة فلسطين على العقبات الكثيرة الموجودة من أجل سد العجز الديمقراطي والعمل بوعي نحو الحكم الرشيد وأسس الدولة المتينة.

 

* المحامي إبراهيم البرغوثي هو المؤسس والمدير التنفيذي للمركز الفلسطيني لاستقلال القضاء والمحاماة، مساواة، في رام الله. وهو أيضا عضو استشاري في لجنة التشريع الاستشارية في وزارة العدل وعضو في الشبكة العربية لمكافحة الفساد.

التصويت