موائمة التشريعات الفلسطينية مع القانون الدولي
بقلم غسان فرمند وعطا هندي ويوهان سكار

شغلت العلاقة بين القانون الدولي ودولة فلسطين العالم القانوني لمدة قرن من الزمان تقريبا.

وقد فُتح فصلاً جديداً من هذه العلاقة، بكل ما فيه من الفرص والتحديات،

 

عندما مُنحت فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19 عام 2012، والسماح لها للانضمام الى المعاهدات الدولية.

 

وفي غمرة انتعاشها لهذا الحدث، وقعت دولة فلسطين على الفور على خمسة وخمسين من المعاهدات والاتفاقيات الدولية في أوائل عام 2014، سبعة منها معاهدات حقوق إنسان تنظم حقوق الأقليات الاجتماعية والمحرومين، وأخرى تتطرق على نطاق أوسع للمواطن والدولة.

تعريف 1:

مجموعة مختارة من الاتفاقيات التي وقعت عليها دولة فلسطين في عام 2014:

ICCPR: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ICESCR: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

سيداو: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

CERD: اتفاقية القضاء على التمييز العنصري.

CRC: اتفاقية حقوق الطفل

CAT: اتفاقية مناهضة التعذيب

CRPD: اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

إن توقيع دولة فلسطين على هذه الاتفاقيات أمر بالغ الأهمية. فهو ولو لمرة، يدعم التزام الدولة الفلسطينية كعضو في المجتمع الدولي في تبني القيم الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان. علاوة على ذلك، توفر الاتفاقيات للقانون الفلسطيني الفرصة والالتزام على حد سواء، والعدالة والممارسات الأمنية ليجري تعديلها رسميا من أجل ضمان احترام حقوق الإنسان. إن احتضان دولة فلسطين للقانون الدولي، كاستراتيجية لتحسين حماية مواطنيها من شأنه تعزيز الثقة والاطمئنان، وتعزيز سمعة دولة فلسطين في الداخل والخارج على حد سواء. لذا، هناك بعض الخطوات العملية العاجلة التي يتعين اتخاذها من أجل التوفيق بين التشريعات الوطنية والمعاهدات الدولية، حيث انه فعليا مضى ثلاث سنوات على إجراء هذا الالتزام.

يتفق معظم العلماء على أن العلاقة بين المعاهدات الدولية والقوانين المحلية تنظمها قواعد دستورية محددة. بشكل عام، فإن السؤال يدور حول ما إذا كان ينبغي للقانون المحلي ان يكون جزءا من نظام واحد من القانون، أو إذا كان ينبغي على القانون الدولي والقانون المحلي ان يكونا مستقلين عن بعضهما البعض. يتبنى غالبية فقهاء القانون الفلسطيني التفسير الأخير، متمسكين بالرأي القائل أن القانون الدولي والمحلي هما نوعان من النظام القانوني المستقل، إلا ان هذا الأمر لم يتم توضيحه تماما.

يحاول القانون الأساسي الفلسطيني، وهو العمود الفقري للنظام القانوني الفلسطيني، تكريس المعايير الدولية وتسهيل انضمام دولة فلسطين إلى الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية. وقد صدر (هذا القانون) في عام 2002 بهدف إنهاء الاحتلال وبناء دولة ديمقراطية. فيما يتعلق بحقوق الإنسان بشكل خاص، تنص المادة 10 (2) من القانون الأساسي الفلسطيني على أنه "ينبغي على الدولة العمل دون تأجيل على أن تصبح طرفا في الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان". لكن لسوء الحظ، لم يتقدم اكثر للإشارة إلى وضع القانون الدولي في حال التناقض مع التشريعات الوطنية، مما يثير التساؤل حول كيفية التوفيق الأفضل بين النظام القانوني الفلسطيني والالتزامات التي فرضت على دولة فلسطين بانضمامها  للمعاهدات الدولية، خاصة فيما يتعلق بالمعاهدات حول حقوق الإنسان. يكمن الحل لهذه المشكلة في أحد السيناريوهات التالية.

السيناريو الأول – موائمة التشريع المحلي مع المعاهدات الدولية التي تكون دولة فلسطين طرفاً فيها.

السيناريو الثاني – مساعدة النظام القضائي الوطني على تنفيذ أحكام المعاهدة الدولية بتطبيق القانون الدولي في القرارات.

السيناريو الثالث – إدراج مواد جديدة ضمن مشروع الدستور من اجل تحديد وضع المعاهدات الدولية.

المثير للقلق في السيناريو الأول هو الاتساق بين القانون الأساسي الفلسطيني والمواثيق الدولية. ففي حال تعارض المعاهدات الدولية مع القانون الأساسي، كالمواد الدستورية على سبيل المثال، يمكن ان يؤدي عدم وجود مرجعية سليمة إلى استبعاد المعاهدات الدولية من النظام القانوني المحلي. لكن وفقا للمادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تعتبر دولة فلسطين طرفا فيها، لا يمكن للدول أن تتذرع بالقانون الداخلي كمبرر لعدم الامتثال لالتزاماتها التعاهدية. لدى دولة فلسطين التزام بمراقبة تطبيق المعاهدة، لذا عليها اعداد التقارير عن حيوية هذا التطبيق. ونظرا لغياب المجلس التشريعي الفلسطيني، فإن مسؤولية اصدار القوانين تقع على عاتق الرئيس الفلسطيني. وعند سن وإصدار هذه القوانين، يجب ان تنشر في الجريدة الرسمية *. لكن للأسف، وربما بسبب عدم اليقين بشأن هذه المسألة، لم يجر نشر المعاهدات التي انضمت اليها دولة فلسطين في الجريدة الرسمية الفلسطينية.

في غياب هذا النشر، فإنه ليس من الواضح تماما ما إذا كان القضاة يطبقون هذه المعاهدات مباشرة ، أو انه ينبغي عليهم الرجوع إلى القانون الدولي العرفي. القانون الدولي العرفي هو مجموعة من القوانين التي تعكس الممارسات  العامة للدولة وهو الذي يحدد القواعد التي قبلت بها الدولة كقانون (على سبيل المثال، الحق في عدم التعرض للتعذيب هو قانون دولي عرفي تلتزم به الدول، بغض النظر عما إذا كانت قد انضمت إلى اتفاقية مناهضة التعذيب).

 

من الناحية المثالية، يمكن للقضاة من خلال النظام القضائي للدولة، أن يشيروا إلى التناقضات بين القوانين المحلية والدولية لغرض تزويد المشرع  بوسيلة لضمان تماشي القوانين المحلية مع المعايير الدولية. لكن بدون النشر في الجريدة الرسمية، لا يمكن للقضاة التذرع بالمعاهدات كمصدر للقانون. وبالتالي يصبح السيناريو الثاني هنا أكثر صعوبة.

 

يجوز للمحكمة الدستورية الفلسطينية التي تشكلت حديثا لعب دورا رئيسيا في تفسير أحكام القانون الأساسي وترتيب العلاقة بينه وبين المعاهدات الدولية التي تكون دولة فلسطين طرفا فيها، وذلك تماشيا مع اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. علاوة على ذلك، تم الإعراب عن توصية قوية لدمج مواد جديدة في مشروع الدستور من أجل تحديد وضع المعاهدات الدولية فيما يتعلق بتطبيقها على الصعيد المحلي. هذا من شأنه إصلاح الوضع الحالي وفقا للسيناريو الثالث، بنصوص من مواد محددة في الدستور حول القانون والمعاهدات الدولية.

 

يشكل الوضع الحالي مشكلة واضحة بحاجة للحل. وإلى ان يكون هناك نص بخلاف ذلك، يسود القانون الأساسي الفلسطيني على اتفاقية فيينا على الجبهة الداخلية. وقد بذلت الحكومة الفلسطينية ومعهد الحقوق في جامعة بيرزيت، وغيرها من منظمات المجتمع المدني الفلسطينية، الجهود لموائمة القانون المحلي الفلسطيني مع المعاهدات الدولية التي تعتبر دولة فلسطين طرفا فيها. مثل هذه الجهود يجب أن تستمر لمصلحة الشعب الفلسطيني.

 

* كما تشير المادة 41 (1) من القانون الأساسي الفلسطيني.

 

غسان فرمند، حاصل على شهادة الدكتوراة، وهو المؤسس والمدير السابق لمعهد الحقوق في جامعة بير زيت. وهو محام ومحاضر في جامعة بير زيت.

 

عطا هندي هو زميل باحث في القانون الدولي في معهد الحقوق بجامعة بير زيت.

 

يوهان سكار، حاصل على شهادة الدكتوراة من الجامعة السويدية للعلوم الزراعية. منذ منتصف عام 2013، يتولى منصب رئيس التعاون الإنمائي في القنصلية السويدية العامة بالقدس، والتي تدير الدعم الإنمائي السويدي لفلسطين.

التصويت