فلسطين من الخارج، ليست نفسها من الداخل

  • منذر جوابرة

صور لا تموت

لا تخلو صورة الفلسطيني من بُعدها المرتبط بالاحتلال، ولا تخلو صورة خارجة من مبدعها إلا عادت وارتبطت وقورنت بما توفره من فكرة أو حلم يعيد للأرض مكانتها

في شكل يطّيع الواقع لصالحه.

 

الصورة الإنسانية مفعمة بالسياسة أولاً، وبما تخلقه من تحديات ضد هذه الظروف ثانياً.

 

قصة قصيرة

قطار يقطع مسافة ما بين مدينتي الدار البيضاء وطنجة المغربية، مسافة كان يرتب صاحبها لنفسه الفرح والسعادة، أن يطير بحرية شبه مطلقة، وباختيار كلي، وأن يكون الوقت لأفكار جديدة يلملها من الطرقات والشبابيك، فلا شيء سيثير اشمئزازه في هذا اليوم، كجارٍ يدق باب بيته صباحاً، ولا مشوار يمر بالحواجز والحدود، وليس بحاجةٍ لبطاقة ( الهوية ) الخضراء البشعة أمام الطبيعة. هذه المشاهد وعد نفسه بها، ليكتشف علاقته بالأماكن والناس.

 

وقت مستقطع

في المحطة التالية بدأ القطار بعجقة الركاب، وكثرة الضوضاء التي ستقطع بدون شك بعضاً من أفكاره، وفي صدفة ربما سيئة جلس على الكرسي أمام ثلاثة أطفال، يتلصصوا بابتساماتهم وهمسهم نحوه، فيضحكوا تارةً ويختفوا تارةً أخرى، لم يكن هذا الشخص بمزاج يسمح له بهذه اللعبة، فقد وضعوه في غير محله، وبلحظات قليلة جداً أعادوا له فكرة فلسطين والعائلة، الولدان الشقيان ما أن يهرب منهما حتى يشتاقهما مرة أخرى.

 

مقارنة

فلسطين من الخارج، ليست نفسها من الداخل، في الخارج يكون مشبعاً بوجوده وغير متلوثاً بأفكار الزحام اليومي والتفاصيل المملة، يكون خارج مقارنات لعبة الفساد والسلطة والدين، المجتمع والهزيمة والانتصار، السذاجة والكسل واللامبالاة، آنذاك تُقنَن كل العيوب التي قد تضج به فجأة كالهزائم غير المتوقعة، فيعود إلى جسده باحثاً عن التوحد مع الروح، فيستذكر فلسطين الفكرة، والجميلة التي يراها في الحلم، يسأل نفسه عمن يشبهه، كفلسطيني مغربي، أو لبناني أو سوري، وحدهم من سيلئموا جراحه من كل هذه الأشلاء، يلتقي بأشخاص على خلاف حزبي أو سياسي كبير معهم، لكن يتفقوا معاً حول الفكرة.

تؤلمه حلول المقارنات، وشعور الانفصال عن المكان بين الداخل والخارج، بين تغيير الأحاسيس في الانتماء المفصّل أو المطلق، يبدو متعباً في حمل هذا الوطن أينما ذهب، ويستدرك عناوين الروايات الكبيرة والصغيرة، ويستشعر بخواء مدنه الحديثة، ومؤخراتها المنتفخة التي تفخخ أفكاره بالغضب والعنف، كلما سار في اتجاه أو التقى بشخص جديد.

يضج بالأفكار الثورية والحالمة عن بلدٍ يسير في مركبٍ آخر، يقوده شخص لا يفهم لغته، يفكر مليّاً كيف يعيد الربان للمسار، وكيف يستلهم من إرثه مسلك الباخرة التي تصرخ في الفراغات البعيدة، لا هو يسمعهم ولا هم يسمعوه.

في الطرق الطويلة، يبحث عن شخص يعبئه بخطبه الصماء، وينفخه بالأيام الخوالي، حينما كان الحجر مدفعاً، وكان الشعب حياً، وكان الله يقف معهم، فأما الآن وقد يقف وحيداً على الحواف المميتة، لا أرض يرتطم بها، ولا نهر ماء يأخذه للبحر.. كل ما هنالك طيران في الفراغ.

 

أسئلة

لم الفرح جماعي، بينما الألم فردي؟!

لم هذا الوجع الذي ينخز الذاكرة بلا توقف، بينما النكات البسيطة تموت بعد لعق ضحكاتها؟!

لماذا حينما يقترب من السعادة تطير بعيداً على ارتفاع الغيم، في حين أن الحزن يغور به في الأرض العميقة؟! فجرحه ما يلبث أن يتسع ليستقطب كل هموم الأرض وأمراضها.

الصور وحدها الباقية، مجردة من تفاصيل واقعها، وشوائب لحظاتها، حتى حينما يحمل كاميراته لالتقاطها، ويبقى الأمل المدجج باللعنات والرعب الذي يزيد من شيب شعره، واللاحقون من المشاهدين والرواة، سينظروا إلى هذه الصور مؤلفين أكاذيبهم، سارقين وجع أصحابها.

أرشيف فلسطين الشباب